تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
اعلم أنه تعالى لما بين كونهم مستجمعين لكل مضار الآخرة والدنيا ، خائبين عن جميع منافع الآخرة والدنيا ، عاد إلى ذكر قبائحهم وفضائحهم ، وبين إقدامهم على الأيمان الكاذبة فقال : * ( ويحلفون بالله ) * أي المنافقون للمؤمنين إذا جالسوهم * ( إنهم لمنكم ) * أي على دينكم . ثم قال تعالى : * ( وما هم منكم ) * أي ليسوا على دينكم * ( ولكنهم قوم يفرقون ) * القتل ، فأظهروا الإيمان وأسروا النفاق ، وهو كقوله تعالى : * ( وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤون ) * ( البقرة : 14 ) والفرق الخوف ، ومنه يقال : رجل فروق . وهو الشديد الخوف ، ومنها : أنهم لو وجدوا مفراً يتحصنون فيه آمنين على أنفسهم منكم لفروا إليه ولفارقوكم ، فلا تظنوا أن موافقتهم إياكم في الدار والمسكن عن القلب ، فقوله : * ( لو يجدون ملجأ ) * الملجأ : المكان الذي يتحصن فيه ، ومثله اللجأ مقصوراً مهموزاً ، وأصله من لجأ إلى كذا يلجأ لجأ بفتح اللام وسكون الجيم ، ومثله التجأ وألجأته إلى كذا ، أي جعلته مضطراً إليه ، وقوله : * ( أو مغارات ) * هي جمع مغارة ، وهي الموضع الذي يغور الإنسان فيه ، أي يستتر . قال أبو عبيد : كل شيء جزت فيه فغبت فهو مغارة لك ، ومنه غار الماء في الأرض وغارت العين . وقوله : * ( مدخلاً ) * قال الزجاج : أصله مدتخل والتاء بعد الدال تبدل دالاً ، لأن التاء مهموسة ، والدال مهجورة ، وهما من مخرج واحد وهو مفتعل من الدخول ، كالمتلج من الولوج . ومعناه : المسلك الذي يستتر بالدخول فيه . قال الكلبي وابن زيد : نفقا كنفق اليربوع . والمعنى : أنهم لو جدوا مكاناً على أحد هذه الوجوه الثلاثة ، مع أنها شر الأمكنة * ( لولوا إليه ) * أي رجعوا إليه . يقال : ولى بنفسه إذا انصرف وولى غيره إذا صرفه وقوله : * ( وهم يجمحون ) * أي يسرعون إسراعاً لا يرد وجوههم شيء ، ومن هذا يقال : جمح الفرس وهو فرس جموح ، وهو الذي إذا حمل لم يرده اللجام ، والمراد من الآية أنهم من شدة تأذيهم من الرسول ومن المسلمين صاروا بهذه الحالة . واعلم أنه تعالى ذكر ثلاثة أشياء وهي : الملجأ ، والمغارات ، والمدخل ، والأقرب أن يحمل كل واحد منها على غير ما يحمل الآخر عليه ، فالملجأ يحتمل الحصون ، والمغارات الكهوف في الجبال ، والمدخل السرب تحت الأرض نحو الآبار . قال صاحب " الكشاف " : قرىء * ( مدخلاً ) * من دخل و * ( مدخلاً ) * من أدخل وهو مكان يدخلون فيه أنفسهم ، وقرأ أبي بن كعب * ( متدخلاً ) * وقرأ * ( لو ألو إليه ) * أي لالتجأوا ، وقرأ أنس * ( يجمزون ) * فسئل عنه فقال : يجمحون ويجمزون ويشتدون واحد .