جداً ؟ والثاني : أنهم كانوا إذا سمعوا تلك السورة تأذوا من سماعها ، فأرادوا الخروج من المسجد ، فقال بعضهم لبعض : * ( هل يراكم من أحد ) * يعني إن رأوكم فلا تخرجوا ، إن كان ما رآكم أحد فأخرجوا من المسجد ، لتتخلصوا عن هذا الإيذاء . والثالث : * ( هل يراكم من أحد ) * يمكنكم أن تقولوا نحبه ، فوجب علينا الخروج من المسجد . قال تعالى : * ( ثم انصرفوا ) * يحتمل أن يكون المراد نفس هربهم من مكان الوحي واستماع القرآن ، ويجوز أن يراد به ، ثم انصرفوا عن استماع القرآن إلى الطعن فيه وإن ثبتوا في مكانهم .
فإن قيل : ما التفاوت بين هذه الآية وبين الآية المتقدمة وهي قوله : * ( وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيماناً ) * .
قلنا : في تلك الآية حكى عنهم أنهم ذكروا قولهم : * ( أيكم زادته هذه إيمانا ) * وفي هذه الآية حكى عنهم أنهم اكتفوا بنظر بعضهم إلى بعض على سبيل الهزؤ ، وطلبوا الفرار .
ثم قال تعالى : * ( صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون ) * واحتج أصحابنا به على أنه تعالى صرفهم عن الإيمان وصدهم عنه وهو صحيح فيه ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : عن كل رشد وخير وهدى ، وقال الحسن : صرف الله قلوبهم وطبع عليها بكفرهم ، وقال الزجاج : أضلهم الله تعالى ، قالت المعتزلة : لو كان تعالى هو الذي صرفهم عن الإيمان فكيف قال : * ( أنى يصرفون ) * وكيف عاقبهم على الانصراف عن الإيمان ؟ قال القاضي : ظاهر الآية يدل على أن هذا الصرف عقوبة لهم على انصرافهم ، والصرف عن الإيمان لا يكون عقوبة ، لأنه لو كان كذلك ، لكان كما يجوز أن يأمر أنبياءه بإقامة الحدود ، يجوز أن يأمرهم بصرف الناس عن الإيمان . وتجويز ذلك يؤدي أن لا يوثق بما جاء به الرسول . ثم قال : هذا الصرف يحتمل وجهين : أحدهما : أنه تعالى صرف قلوبهم بما أورثهم من الغم والكيد . الثاني : صرفهم عن الألطاف التي يختص بها من آمن واهتدى .
والجواب : أن هذه الوجوه التي ذكرها القاضي ظاهر أنها متكلفة جداً ، وأما الوجه الصحيح الذي يشهد بصحته كل عقل سليم ، هو أن الفعل يتوقف على حصول الداعي ، وإلا لزم رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح ، وهو محال . وحصول ذلك الداعي ليس من العبد وإلا لزم التسلسل ، بل هو من الله تعالى . فالعبد إنما يقدم على الكفر إذا حصل في قلبه داعي الكفر ، وذلك الحصول من الله تعالى ، وإذا حصل ذلك الداعي انصرف ذلك القلب من جانب الإيمان إلى الكفر ، فهذا هو المراد من صرف القلب وهو كلام مقرر ببرهان قطعي وهو منطبق على هذا
تفسير الرازي — صفحة 234
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٣٤