تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
اعلم أنه تعالى لما ذكر مخازي المنافقين وذكر أعمالهم القبيحة فقال : وإذا ما أنزلت سورة ، فمن المنافقين من يقول أيكم زادته هذه إيماناً ؟ واختلفوا فقال بعضهم : يقول بعض المنافقين لبعض ، ومقصودهم تثبيتهم قومهم على النفاق ، وقال آخرون : بل يقولونه لأقوام من المسلمين ، وغرضهم صرفهم عن الإيمان . وقال آخرون : بل ذكروه على وجه الهزؤ ، والكل محتمل . ولا يمكن حمله على الكل ، لأن حكاية الحال لا تفيد العموم . ثم إنه تعالى أجاب فقال إنه حصل للمؤمنين بسبب نزول هذه السورة أمران ، وحصل للكافرين أيضاً أمران . أما الذي حصل للمؤمنين : فالأول : هو أنها تزيدهم إيماناً إذ لا بد عند نزولها من أن يقروا بها ويعترفوا بأنها حق من عند الله ، والكلام في زيادة الإيمان ونقصانه قد ذكرناه في أول سورة الأنفال بالاستقصاء . والثاني : ما يحصل لهم من الاستبشار . فمنهم من حمله على ثواب الآخرة ، ومنهم من حمله على ما يحصل في الدنيا من النصر والظفر ، ومنهم من حمله على الفرح والسرور الحاصل بسبب تلك التكاليف الزائدة من حيث إنه يتوسل به إلى مزيد في الثواب ، ثم جمع للمنافقين أمرين مقابلين للأمرين المذكورين في المؤمنين ، فقال : * ( وأما الذين في قلوبهم مرض ) * يعني المنافقين * ( فزادتهم رجساً إلى رجسهم ) * والمراد من الرجس إما العقائد الباطلة أو الأخلاق المذمومة ، فإن كان الأول كان المعنى أنهم كانوا مكذبين بالسور النازلة قبل ذلك ، والآن صاروا مكذبين بهذه السورة الجديدة ، فقد انضم كفر إلى كفر ، وإن كال الثاني كان المراد أنهم كانوا في الحسد والعداوة واستنباط وجوه المكر والكيد ، والآن ازدادت تلك الأخلاق الذميمة بسبب نزول هذه السورة الجديدة . والأمر الثاني : أنهم يموتون على كفرهم ، فتكون هذه الحالة كالأمر المضاد للاستبشار الذي حصل في المؤمنين ، وهذه الحالة أسوأ وأقبح من الحالة الأولى ، وذلك لأن الحالة الأولى عبارة عن ازدياد الرجاسة ، وهذه الحالة عبارة عن مداومة الكفر وموتهم عليه . واحتج أصحابنا بقوله : * ( فزادتهم رجساً إلى رجسهم ) * على أنه تعالى قد يصد عن الإيمان ويصرف عنه ، قالوا : إنه تعالى كان عالماً بأن سماع هذه السورة يورث حصول الحسد والحقد في قلوبهم ، وأن حصول ذلك الحسد يورث مزيد الكفر في قلوبهم ، أجابوا وقالوا نزول تلك السورة لا يوجب ذلك الكفر الزائد ، بدليل أن الآخرين سمعوا تلك السورة وازدادوا إيماناً . فثبت أن تلك الرجاسة هم فعلوها من قبل أنفسهم . قلنا : لا ندعي أن استماع هذه السورة سبب مستقل بترجيح جانب الكفر على جانب الإيمان ، بل نقول استماع هذه السورة للنفس المخصوصة والموصوفة بالخلق المعين والعادة المعينة . يوجب
تفسير الرازي — صفحة 231 | فخر الدين الرازي