تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
عاد إلى تجويز كون تلك المدة قصيرة ، ولما وصفهم الله بهذه الصفات الثلاث ؛ قال : * ( ثم تاب عليهم ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه لا بد ههنا من إضمار . والتقدير : حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه . تاب عليهم ثم تاب عليهم ، فما الفائدة في هذا التكرير ؟ قلنا : هذا التكرير حسن للتأكيد كما أن السلطان إذا أراد أن يبالغ في تقرير العفو لبعض عبيده يقول عفوت عنك ثم عفوت عنك . فإن قيل : فما معنى قوله : * ( ثم تاب عليهم ليتوبوا ) * . قلنا فيه وجوه : الأول : قال أصحابنا المقصود منه بيان أن فعل العبد مخلوق لله تعالى فقوله : * ( ثم تاب عليهم ) * يدل على أن التوبة فعل الله وقوله : * ( ليتوبوا ) * يدل على أنها فعل العبد ، فهذا صريح قولنا ، ونظيره * ( فليضحكوا ) * مع قوله : * ( وأنه هو أضحك وأبكى ) * وقوله : * ( كما أخرجك ربك ) * مع قوله : * ( إذ أخرجه الذين كفروا ) * وقوله : * ( هو الذي يسيركم ) * مع قوله : * ( قل سيروا ) * والثاني : المراد تاب الله عليهم في الماضي ليكون ذلك داعياً لهم إلى التوبة في المستقبل . والثالث : أصل التوبة الرجوع ، فالمراد ثم تاب عليهم ليرجعوا إلى حالهم وعادتهم في الاختلاط بالمؤمنين ، وزوال المباينة فتسكن نفوسهم عند ذلك . الرابع : * ( ثم تاب عليهم ليتوبوا ) * أي ليدوموا على التوبة ، ولا يراجعوا ما يبطلها . الخامس : * ( ثم تاب عليهم ) * لينتفعوا بالتوبة ويتوفر عليهم ثوابها وهذان النفعان لا يحصلان إلا بعد توبة الله عليهم . المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن قبول التوبة غير واجب على الله عقلاً قالوا : لأن شرائط التوبة في حق هؤلاء قد حصلت من أول الأمر . ثم إنه عليه الصلاة والسلام ما قبلهم ولم يلتفت إليهم وتركهم مدة خمسين يوماً أو أكثر ، ولو كان قبول التوبة واجباً عقلاً لما جاز ذلك . أجاب الجبائي عنه بأن قال : يقال إن تلك التوبة صارت مقبولة من أول الأمر ، لكنه يقال : أراد تشديد التكليف عليهم لئلا يتجرأ أحد على التخلف عن الرسول فيما يأمر به من جهاد وغيره . وأيضاً لم يكن نهيه عليه الصلاة والسلام عن كلامهم عقوبة ، بل كان على سبيل التشديد في التكليف . قال القاضي : وإنما خص الرسول عليه الصلاة والسلام هؤلاء الثلاثة بهذا التشديد ، لأنهم أذعنوا بالحق واعترفوا بالذنب ، فالذي يجري عليهم ، وهذه حالهم يكون في الزجر أبلغ مما يجري على من يظهر العذر من المنافقين .
تفسير الرازي — صفحة 219 | فخر الدين الرازي