تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
قوله تعالى * ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ يُحْىِ وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِىٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ) * . في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما منه المؤمنين من أن يستغفروا للمشركين ، والمسلمون كانوا قد استغفروا للمشركين قبل نزول هذه الآية ، فإنهم قبل نزول هذه الآية كانوا يستغفرون لآبائهم وأمهاتهم وسائر أقربائهم ممن مات على الكفر ، فلما نزلت هذه الآية خافوا بسبب ما صدر عنهم قبل ذلك من الاستغفار للمشركين . وأيضاً فإن أقواماً من المسلمين الذين استغفروا للمشركين ، كانوا قد ماتوا قبل نزول هذه الآية ، فوقع الخوف عليهم في قلوب المسلمين أنه كيف يكون حالهم ، فأزال الله تعالى ذلك الخوف عنهم بهذه الآية ، وبين أنه تعالى لا يؤاخذهم بعمل إلا بعد أن يبين لهم أنه يجب عليهم أن يتقوه ويحترزوا عنه . فهذا وجه حسن في النظم . وقيل : المراد إن من أول السورة إلى هذا الموضع في بيان المنع من مخالطة الكفار والمنافقين ، ووجوب مباينتهم ، والاحتراز عن موالاتهم ، فكأنه قيل : إن الإله الرحيم الكريم كيف يليق به هذا التشديد الشديد في حق هؤلاء الكفار والمنافقين ؟ فأجيب عنه بأنه تعالى لا يؤاخذ أقواماً بالعقوبة بعد إذ دعاهم إلى الرشد حتى يبين لهم ما يجب عليهم أن يتقوه ، فأما بعد أن فعل ذلك وأزاح العذر وأزال العلة فله أن يؤاخذهم بأشد أنواع المؤاخذة والعقوبة . وفي قوله تعالى : * ( ليضل ) * وجوه : الأول : أن المراد أنه أضله عن طريق الجنة ، أي صرفه عنه ومنعه من التوجه إليه . والثاني : قالت المعتزلة : المراد من هذا الإضلال الحكم عليهم بالضلال . واحتجوا بقول الكميت : وطائفة قد أكفروني بحبكم ( c ) وقال أبو بكر الأنباري : هذا التأويل فاسد ، لأن العرب إذا أرادوا ذلك المعنى قالوا : ضلل يضلل ، واحتجاجهم ببيت الكميت باطل ، لأنه لا يلزم من قولنا أكفر في الحكم صحة قولنا أضل .
تفسير الرازي — صفحة 212 | فخر الدين الرازي