تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
المسألة الثالثة : أنه تعالى لما بين أن العلة المانعة من هذا الاستغفار هو تبين كونهم من أصحاب النار ، وهذه العلة لا تختلف بأن يكونوا من الأقارب أو من الأباعد ، فلهذا السبب قال تعالى : * ( ولو كانوا أولى قربى ) * وكون سبب النزول ما حكينا ، يقوي هذا الذي قلناه . أما قوله تعالى : * ( وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوه : الأول : أن المقصود منه أن لا يتوهم إنسان أنه تعالى منع محمداً من بعض ما أذن لإبراهيم فيه . والثاني : أن يقال إنا ذكرنا في سبب اتصال هذه الآية بما قبلها المبالغة في إيجاب الانقطاع عن الكفار أحيائهم وأمواتهم . ثم بين تعالى أن هذا الحكم غير مختص بدين محمد عليه الصلاة والسلام ، بل المبالغة في تقرير وجوب الانقطاع كانت مشروعة أيضاً في دين إبراهيم عليه السلام ، فتكون المبالغة في تقرير وجوب المقاطعة والمباينة من الكفار أقوى . الثالث : أنه تعالى وصف إبراهيم عليه السلام في هذه الآية بكونه حليماً أي قليل الغضب ، وبكونه أواها أي كثير التوجع والتفجع عند نزول المضار بالناس ، والمقصود أن من كان موصوفاً بهذه الصفات كان ميل قلبه إلى الاستغفار لأبيه شديداً ، فكأنه قيل : إن إبراهيم مع جلالة قدره ومع كونه موصوفاً بالأواهية والحليمية منعه الله تعالى من الاستغفار لأبيه الكافر ، فلأن يكون غيره ممنوعاً من هذا المعنى كان أولى . المسألة الثانية : دل القرآن على أن إبراهيم عليه السلام استغفر لأبيه . قال تعالى حكاية عنه * ( واغفر لأبي إنه كان من الضالين ) * ( الشعراء : 86 ) وأيضاً قال عنه : * ( ربنا اغفر لي ولوالدي ) * ( إبراهيم : 41 ) وقال تعالى حكاية عنه في سورة مريم قال : * ( سلام عليك سأستغفر لك ربي ) * ( مريم : 47 ) وقال أيضاً : * ( لأستغفرن لك ) * ( الممتحنة : 4 ) وثبت أن الاستغفار للكافر لا يجوز . فهذا يدل على صدور هذا الذنب من إبراهيم عليه السلام . واعلم أنه تعالى أجاب عن هذا الإشكال بقوله : * ( وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ) * ( التوبة : 114 ) وفيه قولان : الأول : أن يكون الواعد أبا إبراهيم عليه السلام ، والمعنى : أن أباه وعده أن يؤمن ، فكان إبراهيم عليه السلام يستغفر لأجل أن يحصل هذا المعنى ، فلما تبين له أنه لا يؤمن وأنه عدو لله تبرأ منه ، وترك ذلك الاستغفار . الثاني : أن يكون الواعد إبراهيم عليه السلام ، وذلك أنه وعد أباه أن يستغفر له رجاء إسلامه * ( فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ) * والدليل على صحة هذا التأويل قراءة الحسن * ( وعدها أباه ) * بالباء ، ومن الناس من ذكر في الجواب وجهين آخرين . الوجه الأول : المراد من استغفار إبراهيم لأبيه دعاؤه له إلى الإيمان والإسلام ، وكان يقول له آمن حتى تتخلص من العقاب وتفوز بالغفران ، وكان يتضرع إلى الله في أن يرزقه الإيمان
تفسير الرازي — صفحة 210 | فخر الدين الرازي