تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
الثقيلة وجزاء هذا الشرط هو الفاء وما بعده من الشرط والجزاء ، وهو قوله : * ( فمن أتقى وأصلح ) * وإنما قال رسل وإن كان خطاباً للرسول عليه الصلاة والسلام وهو خاتم الأنبياء عليه وعليهم السلام لأنه تعالى أجرى الكلام على ما يقتضيه سنته في الأمم وإنما قال : * ( منكم ) * لأن كون الرسول منهم أقطع لعذرهم وأبين للحجة عليهم من جهات : أحدها : أن معرفتهم بأحواله وبطهارته تكون متقدمة . وثانيها : أن معرفتهم بما يليق بقدرته تكون متقدمة فلا جرم لا يقع في المعجزات التي تظهر عليه شك وشبهة في أنها حصلت بقدرة الله تعالى لا بقدرته فلهذا السبب قال تعالى : * ( ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً ) * ( الأنعام : 9 ) . وثالثها : ما يحصل من الألفة وسكون القلب إلى أبناء الجنس ، بخلاف ما لا يكون من الجنس ، فإنه لا يحصل معه الألفة . وأما قوله : * ( يقصون عليم آياتي ) * فقيل تلك الآيات هي القرآن . وقيل الدلائل ، وقيل الأحكام والشرائع والأولى دخول الكل فيه ، لأن جميع هذه الأشياء آيات الله تعالى لأن الرسل إذا جاؤوا فلا بد وأن يذكروا جميع هذه الأقسام ، ثم قسم تعالى حال الأمة فقال : * ( فمن أتقى وأصلح ) * وجمع هاتين الحالتين مما يوجب الثواب لأن الملتقي هو الذي يتقي كل ما نهى الله تعالى عنه ، ودخل في قوله : * ( وأصلح ) * أنه أتي بكل ما أمر به . ثم قال تعالى في صفته : * ( فلا خوف عليهم ) * أي بسبب الأحوال المستقبلة * ( ولا هم يحزنون ) * أي بسبب الأحوال الماضية لأن الإنسان إذا جوز وصول المضرة إليه في الزمان المستقبل خاف وإذا تفكر فعلم أنه وصل إليه بعض ما لا ينبغي في الزمان الماضي ، حصل الحزن في قلبه ، لهذا السبب والأولى في نفي الحزن أن يكون المراد أن لا يحزن على ما فاته في الدنيا ، لأن حزنه على عقاب الآخرة يجب أن يرتفع بما حصل له من زوال الخوف ، فيكون كالمعاد وحمله على الفائدة الزائدة أولى فبين تعالى أن حاله في الآخرة تفارق حاله في الدنيا ، فإنه في الآخرة لا يحصل في قلبه خوف ولا حزن البتة ، واختلف العلماء في أن المؤمنين من أهل الطاعات هل يلحقهم خوف ، وحزن عند أهوال يوم القيامة . فذهب بعضهم إلا أنه لا يلحقهم ذلك ، والدليل عليه هذه الآية ، وأيضاً قوله تعالى : * ( لا يحزنهم الفزع الأكبر ) * ( الأنبياء : 103 ) وذهب بعضهم إلى أن يلحقهم ذلك الفزع لقوله تعالى : * ( يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ) * ( الحج : 2 ) أي من شدة الخوف . وأجاب : هؤلاء عن هذه الآية : بأن معناه أن أمرهم يؤول إلى الأمن والسرور ، كقول الطبيب للمريض : لا بأس عليك ، أي أمرك يؤول إلى العافية والسلامة ، وإن كان في الوقت في بأس من