تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
السؤال الثاني : كيف قال الكيل والميزان ، ولم يقل المكيال والميزان كما في سورة هود ؟ والجواب : أراد بالكيل آلة الكيل ، وهو المكيال ، أو يسمى ما يكال به بالكيل ، كما يقال العيش لما يعاش به . والرابع : قوله : * ( ولا تبخسوا الناس أشياءهم ) * والمراد أنه لما منع قومه من البخس في الكيل والوزن منعهم بعد ذلك من البخس والتنقيص بجميع الوجوه ، ويدخل فيه المنع من الغصب والسرقة ، وأخذ الرشوة ، وقطع الطريق . وانتزاع الأموال بطريق الحيل . والخامس : قوله : * ( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ) * وذلك لأنه لما كان أخذ أموال الناس بغير رضاها يوجب المنازعة والخصومة ، وهما يوجبان الفساد ، لا جرم قال بعده : * ( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ) * وقد سبق تفسير هذه الكلمة ، وذكروا فيه وجوهاً فقيل : * ( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ) * بأن تقدموا على البخس في الكيل والوزن ، لأن ذلك يتبعه الفساد . وقيل : أراد به المنع من كل ما كان فساداً حملاً للفظ على عمومه . وقيل : قوله : * ( ولا تبخسوا الناس أشياءهم ) * منع من مفاسد الدنيا وقوله : * ( ولا تفسدوا في الأرض ) * منع من مفاسد الدين حتى تكون الآية جامعة للنهي عن مفاسد الدنيا والدين ، واختلفوا في معنى * ( بعد إصلاحها ) * قيل : بعد أن صلحت الأرض بمجيء النبي بعد أن كانت فاسدة بخلوها منه ، فنهاهم عن الفساد ، وقد صارت صالحة . وقيل : المراد أن لا تفسدوا بعد أن أصلحها الله بتكثير النعم فيهم ، وحاصل هذه التكاليف الخمسة يرجع إلى أصلين التعظيم لأمر الله ، ويدخل فيه الإقرار بالتوحيد والنبوة ، والشفقة على خلق الله ، ويدخل فيه ترك البخس ، وترك الإفساد ، وحاصلها يرجع إلى ترك الإيذاء ، كأنه تعالى يقول : إيصال النفع إلى الكل متعذر . وأما كف الشر عن الكل فممكن ، ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الخمسة . قال : * ( ذلكم ) * وهو إشارة إلى هذه الخمسة ، والمعنى : خير لكم في الآخرة إن كنتم مؤمنين بالآخرة ، والمراد : أترك البخس وترك الإفساد خير لكم في طلب المال في المعنى لأن الناس إذا علموا منكم الوفاء والصدق والأمانة ، رغبوا في المعاملات معكم ، فكثرت أموالكم * ( إن كنتم مؤمنين ) * أي إن كنتم مصدقين لي في قولي . * ( وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ واَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ) * .