المسألة الثالثة : سميت الكعبة كعبة لارتفاعها ، يقال للجارية إذا نتأ ثديها وخرج كاعب وكعاب ، وكعب الإنسان يسمى كعباً لنتوه من الساق ، فالكعبة لما ارتفع ذكرها في الدنيا واشتهر أمرها في العالم سميت بهذا الاسم ، ولذلك فإنهم يقولون لمن عظم أمره فلان علا كعبه . المسألة الرابعة : قوله * ( قياماً للناس ) * أصله قوام لأنه من قام يقوم ، وهو ما يستقيم به الأمر ويصلح ، ثم ذكروا ههنا في كون الكعبة سبباً لقوام مصالح الناس وجوهاً : الأول : أن أهل مكة كانوا محتاجين إلى حضور أهل الآفاق عندهم ليشتروا منهم ما يحتاجون إليه طول السنة ، فإن مكة بلدة ضيقة لا ضرع فيها ولا زرع ، وقلما يوجد فيها ما يحتاجون إلي ، فالله تعالى جعل الكعبة معظمة في القلوب حتى صار أهل الدنيا راغبين في زيارتها ، فيسافرون إليها من كل فج عميق لأجل التجارة ويأتون بجميع المطالب والمشتهيات ، فصار ذلك سبباً لاسباغ النعم على أهل مكة . الثاني : أن العرب كانوا يتقاتلون ويغيرون إلا في الحرم ، فكان أهل الحرم آمنين على أنفسهم وعلى أموالهم حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه أو ابنه في الحرم لم يتعرض له ، ولو جنى الرجل أعظم الجنايات ثم التجأ إلى الحرم لم يتعرض له ولهذا قال تعالى : * ( أو لم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم ) * ( العنكبوت : 67 ) الثالث : أن أهل مكة صاروا بسبب الكعبة أهل الله وخاصته وسادة الخلق إلى يوم القيامة وكل أحد يتقرب إليهم ويعظمهم . الرابع : أنه تعالى جعل الكعبة قواماً للناس في دينهم بسبب ما جعل فيها من المناسك العظيمة والطاعات الشريفة ، وجعل تلك المناسك سبباً لحط الخطيئات ، ورفع الدرجات وكثرة الكرامات . واعلم أنه لا يبعد حمل الآية على جميع هذه الوجوه ، وذلك لأن قوام المعيشة إما بكثرة المنافع وهو الوجه الأول الذي ذكرناه ، وإما بدفع المضار وهو الوجه الثاني ، وإما بحصول الجاه والرياسة وهو الوجه الثالث ، وإما بحصول الدين وهو الوجه الرابع ، فلما كانت الكعبة سبباً لحصول هذه الأقسام الأربعة ، وثبت أن قوام المعيشة ليس إلا بهذه الأربعة ثبت أن الكعبة سبب لقوام الناس . المسألة الخامسة : المراد بقوله * ( قياماً للناس ) * أي لبعض الناس وهم العرب ، وإنما حسن هذا المجاز لأن أهل كل بلد إذا قالوا الناس فعلوا كذا وصنعوا كذا فإنهم لا يريدون إلا أهل بلدتهم فلهذا السبب خوطبوا بهذا الخطاب على وفق عادتهم . المسألة السادسة : اعلم أن الآية دالة على أنه تعالى جعل أربعة أشياء سبباً لقيام الناس وقوامهم . الأول : الكعبة وقد بينا معنى كونها سبباً لقيام الناس ، وأما الثاني : فهو الشهر الحرام
تفسير الرازي — صفحة 100
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٠٠