تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
ثم قال تعالى : * ( مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ) * . واعلم أنه تعالى لما قدم الترهيب والترغيب بقوله * ( أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم ) * ( المائدة : 98 ) أتبعه بالتكليف بقوله * ( ما على الرسول إلا البلاغ ) * يعني أنه كان مكلفاً بالتبليغ فلما بلغ خرج عن العهدة وبقي الأمر من جانبكم وأنا عالم بما تبدون وبما تكتمون ، فإن خالفتم فاعلموا أن الله شديد العقاب ، وإن أطعتم فاعلموا أن الله غفور رحيم . ثم قال تعالى : * ( قل لا يستوي الخبيث والطيب ) * . اعلم أنه تعالى لما زجر عن المعصية ورغب في الطاعة بقوله * ( اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم ) * ( المائدة : 98 ) ثم أتبعه بالتكليف بقوله * ( ما على الرسول إلا البلاغ ) * ( المائدة : 99 ) ثم أتبعه بالترغيب في الطاعة والتنفير عن المعصية بقوله * ( والله يعلم ما تبدون وما تكتمون ) * ( المائدة : 99 ) أتبعه بنوع آخر من الترغيب في الطاعة والتنفير عن المعصية فقال : * ( قل لا يستوي الخبيث والطيب ) * وذلك لأن الخبيث والطيب قسمان : أحدهما : الذي يكون جسمانياً ، وهو ظاهر لكل أحد ، والثاني : الذي يكون روحانياً ، وأخبث الخبائث الروحانية الجهل والمعصية ، وأطيب الطيبات الروحانية معرفة الله تعالى وطاعة الله تعالى ، وذلك لأن الجسم الذي يلتصق به شيء من النجاسات يصير مستقذراً عند أرباب الطباع السليمة ، فكذلك الأرواح العارفة بالله تعالى المواظبة على خدمة الله تعالى ، فإنها تصير مشرقة بأنوار المعارف الإلهية مبتهجة بالقرب من الأرواح المقدسة الطاهرة ، وكما أن الخبيث والطبيب في عالم الجسمانيات لا يستويان ، فكذلك في عالم الروحانيات لا يستويان ، بل المباينة بينهما في عالم الروحانيات أشد ، لأن مضرة خبث الخبيث الجسماني شيء قليل ، ومنفعته طيبة مختصرة ، وأما خبث الخبيث الروحاني فمضرته عظيمة دائمة أبدية ، وطيب الطيب الروحاني فمنفعته عظيمة دائمة أبدية ، وهو القرب من جوار رب العالمين ، والانخراط في زمرة الملائكة المقربين ، والمرافقة من النبيّين والصدّيقين والشهداء الصالحين ، فكان هذا من أعظم وجوه الترغيب في الطاعة والتنفير