ههنا أجمع أتعلمون أن رسول الله أهدى إليه رجل حمار وحش وهو محرم فأبى أن يأكله فقالوا نعم . والقول الثاني : أن لحم الصيد مباح للمحرم بشرط أن لا يصطاده المحرم ولا يصطاد له ، وهو قول الشافعي رحمه الله ، والحجة فيه ما روى أبو داود في " سننه " عن جابر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصاد لكم " . والقول الثالث : أنه إذا صيد للمحرم بغير إعانته وإشارته حل له وهو قول أبي حنيفة رحمه الله ، روي عن أبي قتادة أنه اصطاد حمار وحش وهو حلال في أصحاب محرمين له فسألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عنه فقال : " هل أشرتم هل أعنتم فقالوا لا . فقال : هل بقي من لحمه شيء أوجب الإباحة عند عدم الإشارة والإعانة من غير تفصيل . واعلم أن هذين القولين مفرعان على تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد ، والثاني في غاية الضعف . ثم قال تعالى : * ( واتقوا الله الذي إليه تحشرون ) * والمقصود منه التهديد ليكون المرء مواظباً على الطاعة محترزاً عن المعصية .
قوله تعالى : * ( جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ) * . اعلم أن اتصال هذه الآية بما قبلها ، هو أن الله تعالى حرّم في الآية المتقدمة الاصطياد على المحرم ، فبين أن الحرم كما أنه سبب لأمن الوحش والطير ، فكذلك هو سبب لأمن الناس عن الآفات والمخافات ، وسبب لحصول الخيرات والسعادات في الدنيا والآخرة ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن عامر * ( قيما ) * بغير ألف ، ومعناه المبالغة في كونه قائماً بإصلاح مهمات الناس كقوله تعالى : * ( ديناً قيماً ) * ( الأنعام : 161 ) والباقون بالألف ، وقد استقصينا ذلك في سورة النساء . المسألة الثانية : * ( جعل ) * فيه قولان : الأول : أنه بين وحكم ، الثاني : أنه صير ، فالأول بالأمر والتعريف ، والثاني بخلق الدواعي في قلوب الناس لتعظيمه والتقرب إليه .
تفسير الرازي — صفحة 99
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٩٩