تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
قوله تعالى * ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ والْمَيْسِرُ وَالاَْنصَابُ وَالاَْزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) * . اعلم أن هذا هو النوع الثالث من الأحكام المذكورة في هذا الموضع ، ووجه اتصاله بما قبله أنه تعالى قال فيما تقدم * ( لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ) * إلى قوله * ( وكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيباً ) * ( المائدة : 87 ، 88 ) ثم لما كان من جملة الأمور المستطابة الخمر والميسر لا جرم أنه تعالى بيّن أنهما غير داخلين في المحللات ، بل في المحرمات . واعلم أنا قد ذكرنا في سورة البقرة معنى الخمر والميسر وذكرنا معنى الأنصاب والأزلام في أول هذه السورة عند قوله ) * وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ) * ( المائدة : 3 ) فمن أراد الاستقصاء فعليه بهذه المواضع . وفي اشتقاق لفظ الخمر وجهان : الأول : سميت الخمر خمراً لأنها خامرت العقل ، أي خالطته فسترته ، والثاني : قال ابن الأعرابي : تركت فاختمرت ، أي تغير ريحها ، والميسر هو قمارهم في الجزور ، والأنصاب هي آلهتهم التي نصبوها يعبدونها ، والأزلام سهام مكتوب عليها خير وشر . واعلم أنه تعالى وصف هذه الأقسام الأربعة بوصفين : الأول : قوله * ( رجس ) * والرجس في اللغة كل ما استقذر من عمل . يقال : رجس الرجل رجساً ورجس إذا عمل عملاً قبيحاً ، وأصله من الرجس بفتح الراء ، وهو شدة الصوت . يقال : سحاب رجاس إذا كان شديد الصوت بالرعد فكان الرجس هو العمل الذي يكون قوي الدرجة كامل الرتبة في القبح . الوصف الثاني : قوله * ( من عمل الشيطان ) * وهذا أيضاً مكمل لكونه رجساً لأن الشيطان نجس خبيث لأنه كافر والكافر نجس لقوله * ( إنما المشركون نجس ) * ( التوبة : 28 ) والخبيث لا يدعو إلا إلى الخبيث لقوله * ( الخبيثات للخبيثين ) * ( النور : 26 ) وأيضاً كل ما أضيف إلى الشيطان فالمراد من تلك الإضافة المبالغة في كمال قبحه . قال تعالى : * ( فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان ) * ( القصص : 15 ) ثم إنه تعالى لما وصف هذه الأربعة بهذين الوصفين قال * ( فاجتنبوه ) * أي كونوا جانباً منه ، والهاء عائدة إلى ماذا فيه وجهان : الأول : أنها عائدة إلى الرجس ، والرجس واقع على الأربعة المذكورة ، فكان الأمر
تفسير الرازي — صفحة 79 | فخر الدين الرازي