تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
الله تعالى ، فإذا كانت الرهبانية الشديد مما يوقع الخلل في ذلك بالطريق الذي بيناه لا جرم وقع النهي عنها . والثاني : وهو أن حاصل ما ذكرتم أن اشتغال النفس بطلب اللذات الحسية يمنعها عن الاستكمال بالسعادات العقلية ، وهذا ملسم لكن في حق النفوس الضعيفة ، أما النفوس المتسعلية الكاملة فإنها لا يكون استعمالها في الأعمال الحسية مانعاً لها من الاستكمال بالسعادات العقلية ، فإنا نشاهد النفوس قد تكن ضعيفة بحيث متى اشتغلت بمهم امتنع عليها الاشتغال بمهم آخر ، وكلما كانت النفس أقوى كانت هذه الحالة أكمل ، وإذا كان كذلك كانت الرهبانية الخالصة دليلاً على نوع من الضعف والقصور ، وإنما الكمال في الوفاء بالجهتين والاستكمال في الناس . الثالث : وهو أن من استوفى اللذات الحسية ، كان غرضه منها الاستعانة بها على استيفاء اللذات العقلية فإن رياضته ومجاهدته أتم من رياضة من أعرض عن للذات الحسية ، لأن صرف حصة النفس إلى جانب الطاعة أشق وأشد من الاعراض عن حصة النفس بالكلية ، فكان الكمال في هذا أتم . الربع : وهو أن الرهبانية التامة توجب خراب الدنيا وانقطاع الحرث والنسل . وأما ترك الرهبانية مع المواظبة على المعرفة والمحبة والطاعات فإنه يفيد عمارة الدنيا والآخرة ، فكانت هذه الحالة أكمل ، فهذا جملة الكلام في هذا الوجه . القول الثاني : في تفسير هذه الآية ما ذكره القفال ، وهو أنه تعالى قال في أول السورة * ( أوفوا بالعقود ) * فبيّن أنه كما لا يجوز استحلال المحرم كذلك لا يجوز تحريم المحلل ، وكانت العرب تحرم من الطيبات ما لم يحرمه الله تعالى ، وهي البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ، وقد حكى الله تعالى ذلك في هذه السورة وفي سورة الأنعام ، وكانوا يحللون الميتة والدم وغيرهما ، فأمر الله تعالى أن لا يحرموا ما أحل الله ولا يحللوا ما حرمه الله تعالى حتى يدخلوا تحت قوله * ( ي أيها لذين آمنوا أوفوا بالعقود ) * ( المائدة : 1 ) . المسألة الثانية : قوله * ( لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ) * يحتمل وجوهاً : أحدها : لا تعتقدوا تحريم ما أحل الله تعالى لكم ، وثانيها : لا تظهروا باللسان تحريم ما أحله الله لكم ، وثالثها : لا تجتنبوا عنها اجتناباً شبيه لاجتناب من المحرمات ، فهذه الوجوه الثلاثة محمولة على الاعتقاد والقول والعمل ، ورابعها : لا تحرموا على غيركم بالفتوى وخامسها : لا تلتزموا تحريمها بنذر أو يمين ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : * ( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ) * ( التحريم : 1 ) وسادسها : أن يخلط المغصوب بالمملوك خلطاً لا يمكنه التمييز ، وحينئذٍ يحرم الكل ، فذلك الخلط سبب لتحريم ما كن حلالاً له ، وكذلك القول فيما إذا خلط النجس بالطاهر ، والآية محتملة لكل هذه الوجوه ، ولا يبعد حملها على الكل والله أعلم . المسألة الثالثة : قوله * ( ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) * ( البقرة : 190 ) فيه وجوه : الأول : أنه تعالى