تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
والقول الثاني : المراد من الدعاء الذكر قال إبراهيم : الدعاء ههنا هو الذكر والمعنى يذكرون ربهم طرفي النهار . المسألة الخامسة : المجسمة تمسكوا في إثبات الأعضاء لله تعالى بقوله * ( يريدون وجهه ) * وسائر الآيات المناسبة له مثل قوله * ( ويبقى وجه ربك ) * ( الرحمن : 27 ) . وجوابه أن قوله * ( قل هو الله أحد ) * ( الإخلاص : 1 ) يقتضي الوجدانية التامة ، وذلك ينافي التركيب من الأعضاء والأجزاء ، فثبت أنه لا بدّ من التأويل ، وهو من وجهين : الأول : قوله * ( يريدون وجهه ) * المعنى يريدونه إلا أنهم يذكرون لفظ الوجه للتعظيم ، كما يقال هذا وجه الرأي وهذا وجه الدليل ، والثاني : أن من أحب ذاتاً أحب أن يرى وجهه ، فرؤية الوجه من لوازم المحبة ، فلهذا السبب جعل الوجه كناية عن المحبة وطلب الرضا وتمام هذا الكلام تقدم في قوله * ( ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله ) * ( البقرة : 115 ) . ثم قال تعالى : * ( ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء ) * اختلفوا في أن الضمير في قوله * ( حسابهم ) * وفي قوله * ( عليهم ) * إلى ماذا يعود ؟ والقول الأول : أنه عائد إلى المشركين ، والمعنى ما عليك من حساب المشركين من شيء ولا حسابك على المشركين وإنما الله هو الذي يدبر عبيده كما يشاء وأراد . والغرض من هذا الكلام أن النبي صلى الله عليه وسلم يتحمل هذا الاقتراح من هؤلاء الكفار ، فلعلّهم يدخلون في الإسلام ويتخلصون من عقاب الكفر ، فقال تعالى : لا تكن في قيد أنهم يتقون الكفر أم لا فإن الله تعالى هو الهادي والمدبر . القول الثاني : أن الضمير عائد إلى الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ، وهم الفقراء ، وذلك أشبه بالظاهر . والدليل عليه أن الكناية في قوله * ( فتطردهم فتكون من الظالمين ) * عائدة لا محالة إلى هؤلاء الفقراء ، فوجب أن يكون سائر الكنايات عائدة إليهم ، وعلى هذا التقدير فذكروا في قوله * ( ما عليك من حسابهم من شيء ) * قولين : أحدهما : أن الكفار طعنوا في إيمان أولئك الفقراء وقالوا يا محمد إنهم إنما اجتمعوا عندك وقبلوا دينك لأنهم يجدون بهذا السبب مأكولاً وملبوساً عندك ، وإلا فهم فارغون عن دينك ، فقال الله تعالى إن كان الأمر كما يقولون ، فما يلزمك إلا اعتبار الظاهر وإن كان لهم باطن غير مرضي عند الله ، فحسابهم عليه لازم لهم ، لا يتعدى إليك ، كما أن حسابك عليك لا يتعدى إليهم ، كقوله * ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) * ( الأنعام : 164 ) . فإن قيل : أما كفى قوله * ( ما عليك من حسابهم من شيء ) * حتى ضم إليه قوله * ( وما من حسابك عليهم من شيء ) *