تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
قلنا : جعلت الجملتان بمنزلة جملة واحدة قصد بهما معنى واحد وهو المعنى في قوله * ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) * ولا يستقل بهذا المعنى إلا الجملتان جميعاً ، كأنه قيل لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه . القول الثاني : ما عليك من حساب رزقهم من شيء فتملهم وتطردهم ، ولا حساب رزقك عليهم ، وإنما الرازق لهم ولك هو الله تعالى ، فدعهم يكونوا عندك ولا تطردهم . وأعلم أن هذه القصة شبيهة بقصة نوح عليه السلام إذ قال له قومه * ( أنؤمن لك واتبعك الأرذلون ) * ( الشعراء : 111 ) فأجابهم نوح عليه السلام و * ( قال وما علمي بما كانوا يعملون * إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون ) * ( الشعراء : 112 ، 113 ) وعنوا بقولهم * ( الأرذلون ) * الحاكة والمحترفين بالحرف الخسيسة ، فكذلك ههنا . وقوله * ( فتطردهم ) * جواب النفي ومعناه ، ما عليك من حسابهم من شيء فتطردهم ، بمعنى أنه لم يكن عليك حسابهم حتى أنك لأجل ذلك الحساب تطردهم ، وقوله * ( فتكون من الظالمين ) * يجوز أن يكون عطفاً على قوله * ( فتطردهم ) * على وجه التسبب لأن كونه ظالماً معلوم طردهم ومسبب له . وأما قوله * ( فتكون من الظالمين ) * ففيه قولان : الأول : * ( فتكون من الظالمين ) * لنفسك بهذا الطرد ، الثاني : أن تكون من الظالمين لهم لأنهم لما استوجبوا مزيد التقريب والترحيب كان طردهم ظلماً لهم ، والله أعلم . قوله تعالى * ( وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِّيَقُولواْ أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاَكِرِينَ ) * فيه مسائل : المسألة الأولى : أعلم أنه تعالى بيّن في هذه الآية أن كل واحد مبتلى بصاحبه ، فأولئك الكفار الرؤساء الأغنياء كانوا يحسدون فقراء الصحابة على كونهم سابقين في الإسلام مسارعين إلى قبوله فقالوا : لو دخلنا في الإسلام لوجب علينا أن ننقاد لهؤلاء الفقراء المساكين وأن نعترف لهم بالتبعية ، فكان ذلك يشق عليهم . ونظيره قوله تعالى : * ( أألقي الذكر عليه من بيننا ) * ( القمر : 25 ) * ( لو كان خيراً ما سبقونا إليه ) * ( الأحقاف : 11 ) وأما فقراء الصحابة فكانوا يرون أولئك الكفار في الراحات والمسرات والطيبات والخصب والسعة ، فكانوا يقولون كيف حصلت هذه الأحوال لهؤلاء مع أنا بقينا في هذه الشدة والضيق والقلة .
تفسير الرازي — صفحة 237 | فخر الدين الرازي