ومعرفة الله ومعرفة أحكام الله ، وإذا كان هذا التقييد معلوماً من كل القرآن كان المطلق ههنا محمولاً على ذلك المقيد . أما قوله إن هذا الكتاب غير مشتمل على جميع علوم الأصول والفروع . فنقول : أما علم الأصول فإنه بتمامه حاصل فيه لأن الدلائل الأصلية مذكورة فيه على أبلغ الوجوه : فأما روايات المذاهب وتفاصيل الأقاويل ، فلا حاجة إليها ، وأما تفاصيل علم الفروع فنقول : للعلماء ههنا قولان : الأول : أنهم قالوا أن القرآن دل على أن الاجماع وخبر الواحد والقياس حجة في الشريعة فكل ما دل عليه أحد الأصول الثلاثة ، كان ذلك في الحقيقة موجوداً في القرآن ، وذكر الواحدي رحمه الله لهذا المعنى أمثلة ثلاثة : المثال الأول : روي أن ابن مسعود كان يقول : مالي لا ألعن من لعنه الله في كتابه يعني الواشمة ، والمستوشمة ، والواصلة ، والمستوصلة ، وروي أن امرأة قرأت جميع القرآن ، ثم أتته فقالت : يا بان أم عبد ، تلوت البارحة ما بين الدفتين ، فلم أجد فيه لعن الواشمة والمستوشمة ، فقال : لو تلوتيه لوجدتيه ، قال الله تعالى : * ( وما آتاكم الرسول فخذوه ) * ( الحشر : 7 ) وإن مما أتانا به رسول الله أنه قال : لعن الله الواشمة والمستوشمة " وأقول : يمكن وجدان هذا المعنى في كتاب الله بطريق أوضح من ذلك لأنه تعالى قال في سورة النساء : * ( وإن يدعون إلا شيطاناً مريداً * لعنه الله ) * ( النساء : 117 ، 118 ) فحكم عليه باللعن ، ثم عدد بعده قبائح أفعاله وذكر من جملتها قوله * ( ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ) * ( النساء : 119 ) وظاهر هذه الآية يقتضي أن تغيير الخلق يوجب اللعن . المثال الثاني : ذكر أن الشافعي رحمه الله كان جالساً في المسجد الحرام فقال : " لا تسألوني عن شيء إلا أجبتكم فيه من كتاب الله تعالى " فقال رجل : ما تقول في المحرم إذا قتل الزنبور ؟ فقال : " لا شيء عليه " فقال : أين هذا في كتاب الله ؟ فقال : قال الله تعالى : * ( وما آتاكم الرسول فخذوه ) * ثم ذكر إسناداً إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي " ثم ذكر إسناداً إلى عمر رضي الله عنه أنه قال : للمحرم قتل الزنبور . قال الواحدي : فأجابه من كتاب الله مستنبطاً بثلاث درجات ، وأقول : ههنا طريق آخر أقرب منه ، وهو أن الأصل في أموال المسلمين العصمة . قال تعالى : * ( لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ) * ( البقرة : 286 ) وقال : * ( ولا يسألكم أموالكم ) * ( محمد : 36 ) وقال : * ( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) * ( النساء : 29 ) فنهى عن أكل أموال الناس إلا بطريق التجارة فعند عدم التجارة وجب أن يبقى على أصل الحرمة ، وهذه العمومات تقتضي أن لا يجب على المحرم الذي قتل الزنبور شيء ، وذلك لأن التمسك بهذه العمومات يوجب الحكم بمرتبة واحدة .
تفسير الرازي — صفحة 216
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢١٦