وأما الطريق الذي ذكره الشافعي : فهو تمسك بالعموم على أربع درجات : أولها : التمسك بعموم قوله * ( وما آتاكم الرسول فخذوه ) * ( الحشر : 7 ) وأحد الأمور الداخلة تحت هذا أمر النبي عليه السلام بمتابعة الخلفاء الراشدين ، وثانيها : التمسك بعموم قوله عليه الصلاة والسلام : " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي " ، وثالثها : بيان أن عمر رضي الله عنه كان من الخلفاء الراشدين ، ورابعها : الرواية عن عمر أنه لم يوجب في هذه المسألة شيئاً ، فثبت أن الطريق الذي ذكرناه أقرب . المثال الثالث : قال الواحدي : روي في حديث العسيف الزاني أن أباه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : اقض بيننا بكتاب الله فقال عليه السلام : " والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله " ثم قضى بالجلد والتغريب على العسيف ، وبالرجم على المرأة إن اعترفت . قال الواحدي : وليس للجلد والتغريب ذكر في نص الكتاب ، وهذا يدل على أن كل ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم فهو عين كتاب الله . وأقول : هذا المثال حق ، لأنه تعالى قال : * ( لتبين للناس ما أنزل إليهم ) * ( النحل : 44 ) وكل ما بينه الرسول عليه السلام كان داخلاً تحت هذه الآية ، فثبت بهذه الأمثلة أن القرآن لما دل على أن الإجماع حجة ، وأن خبر الواحد حجة ، وأن القياس حجة ، فكل حكم ثبت بطريق من هذه الطرق الثلاثة ، كان في الحقيقة ثابتاً بالقرآن ، فعند هذا يصح قوله تعالى : * ( وما فرطنا في الكتاب من شيء ) * هذا تقرير هذا القول ، وهو الذي ذهب إلى نصرته جمهور الفقهاء . ولقائل أن يقول : حاصل هذه الوجه أن القرآن لما دل على خبر الواحد والقياس حجة ، فكل حكم ثبت بأحد هذين الأصلين كان في الحقيقة قد ثبت بالقرآن إلا أنا نقول : حمل قوله * ( ما فرطنا في الكتاب من شيء ) * على هذا الوجه لا يجوز لأن قوله * ( ما فرطنا في الكتاب من شيء ) * ذكر في معرض تعظيم هذا الكتاب والمبالغة في مدحه والثناء عليه ، ولو حملنا هذه الآية على هذا المعنى لم يحصل منه ما يوجب التعظيم ، وذلك لأنا لو فرضنا أن الله تعالى قال : اعملوا بالإجماع وخبر الواحد والقياس ، كان المعنى الذي ذكروه حاصلاً من هذا اللفظ والمعنى الذي يمكن تحصيله من هذا اللفظ القليل لا يمكن جعله واجباً لمدح القرآن والثناء عليه لسبب اشتمال القرآن عليه ، لأن هذا إنما يوجب المدح العظيم والثناء التام لو لم يمكن تحصيله بطريق آخر أشد اختصاراً منه ، فأما لما بينا أن هذا القسم المقصود يمكن حمله وتحصيله باللفظ المختصر الذي ذكرناه علمنا أنه لا يمكن ذكره في تعظيم القرآن ، فثبت أن هذه الآية مذكورة في معرض تعظيم القرآن ، وثبت أن المعنى الذي ذكروه لا يفيد تعظيم القرآن ، فوجب أن يقال ، إنه لا يجوز حمل هذه الآية على هذا المعنى ، فهذا أقصى ما يمكن أن يقال في تقرير هذا القول .
تفسير الرازي — صفحة 217
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢١٧