تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
تكون معجزة بل لمجموع أمور كثيرة : أحدها : أنا نريد أن نأكل منها فإن الجوع قد غلبنا ولا نجد طعاماً آخر ، وثانيها : أنا وإن علمنا قدرة الله تعالى بالدليل ، ولكنا إذا شاهدنا نزول هذه المائدة ازداد اليقين وقيت الطمأنينة ، وثالثها : أنا وإن علمنا قدرة الله تعالى بالدليل ، ولكنا إذا شاهدنا نزول هذه المائدة ازداد اليقين وقويت الطمأنينة ، وثالثها : أنا وإن علمنا بسائر المعجزات صدقك ، ولكن إذا شاهدنا هذه المعجزة ازداد اليقين والعرفان وتأكدت الطمأنينة . ورابعها : أن جميع تلك المعجزات التي أوردتها كانت معجزات أرضية ، وهذه معجزة سماوية وهي أعجب وأعظم ، فإذا شاهدناها كنا عليها من الشاهدين ، نشهد عليها عند الذين لم يحضروها من بني إسرائيل ، ونكون عليها من الشاهدي لله بكمال القدرة ولك بالنبوة . ثم قال تعالى : * ( قَالَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لاَِوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا وَءَايَةً مِّنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : أما الكلام في * ( اللهم ) * فقد تقدم بالاستقصاء في سورة آل عمران في قوله ) * قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء ) * ( آل عمران : 26 ) فقوله : * ( اللهم ) * نداء ، وقوله * ( ربنا ) * نداء ثان وأما قوله * ( تكون لنا ) * صفة للمائدة وليس بجواب للأمر ، وفي قراءة عبد الله * ( تكن ) * لأنه جعله جواب الأمر . قال الفراء : وما كان من نكرة قد وقع عليها أمر جاز في الفعل بعده الجزم والرفع ، ومثاله قوله تعالى : * ( فهب لي من لدنك ولياً * يرثني ) * ( مريم : 5 - 6 ) بالجزم والرفع * ( فأرسله معي ردءاً يصدقني ) * ( القصص : 34 ) بالجزم والرفع ، وأما قوله * ( عيداً لأولنا وآخرنا ) * أي نتخذ اليوم الذي تنزل فيه المائدة عيداً نعظمه نحن ومن يأتي بعدنا ، ونزلت يوم الأحد فاتخذه النصارى عيداً ، والعيد في اللغة اسم لما عاد إليك في وقت معلوم ، واشتقاقه من عاد يعود فأصله هو العود ، فسمي العيد عيداً لأنه يعود كل سنة بفرح جديد ، وقوله * ( وآية منك ) * أي دلالة على توحيدك وصحة نبوة رسولك * ( وارزقنا ) * أي وارزقنا طعاماً نأكله وأنت خير الرازقين . المسألة الثانية : تأمل في هذا الترتيب فإن الحواريين لما سألوا المائدة ذكروا في طلبها أغراضاً ، فقدموا ذكر الأكل فقالوا * ( نريد أن نأكل منها ) * ( المائدة : 113 ) وأخروا الأغراض الدينية الروحانية ، فأما عيسى فإنه لما طلب المائدة وذكر أغراضه فيها قدم الأغراض الدينية وأخر غرض الأكل حيث قال * ( وأرزقنا ) * وعند هذا يلوح لك مراتب درجات الأرواح في كون بعضها روحانية وبعضها جسمانية ، ثم إن عيسى عليه السلام لشدة صفاء دينه وإشراق روحه لما ذكر الزرق بقوله * ( وأرزقنا ) * لم يقف عليه بل انتقل من الرزق إلى الرزاق فقال * ( وأنت خير الرازقين ) * فقوله * ( ربنا ) *