الفاعلية توجب الرفع ، لزمنا أن نحكم بحصول الرفع في جميع المواضع ، كقولنا جاءني هؤلاء وضربني هذا بل نقول : القياس ذلك فيعمل به ، إلا إذا عارضه نص فكذا القول فيما أورده الزجاج على الكسائي . المسألة الثالثة : روى أنس أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فأكثروا المسألة ، فقام على المنبر فقال : " سلوني فوالله لا تسألوني عن شيء ما دمت في مقامي هذا إلا حدثتكم به " فقام عبد الله بن حذافة السهمي وكان يطعن في نسبه ، فقال يا نبي الله من أبي فقال : " أبوك حذافة بن قيس " وقال سراقة بن مالك ويروي عكاشة بن محصن يا رسول الله : الحج علين في كل عام فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أعاد مرتين أو ثلاثة ، فقال عليه الصلاة والسلام : " ويحك وما يؤمنك أن أقول نعم والله لو قلت نعم لوجبت ، ولو وجبت لتركتم ، ولو تركتم لكفرتم فاتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم فإذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه " وقام آخر فقال : يا رسول الله أين أبي فقال " في النار " ولما اشتد غضب الرسول صلى الله عليه وسلم قام عمر وقال : رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً فأنزل الله تعالى هذه الآية . وأعلم أن السؤال عن الأشياء ربما يؤدي إلى ظهور أحوال مكتومة يكره ظهورها وربما ترتبت عليه تكاليف شاقة صعبة فالأولى بالعاقل أن يسكت عما لا تكليف عليه فيه ، ألا ترى أن الذي سأل عن أبيه فإنه لم يأمن أن يلحقه الرسول عليه الصلاة والسلام بغير أبيه فيفتضح ، وأما السائل عن الحج فقد كاد أن يكون ممن قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه : " إن أعظم المسلمين في المسلمين جرماً من كان سبباً لتحريم حلال إذ لم يؤمن أن يقول في الحج إيجاب في كل عام " وكان عبيد بن عمير يقول : إن الله أحل وحرم فما أحل فاستحلوه ، وما حرم فاجتنبوه ، وترك بين ذلك أشياء لم يحللها ولم يحرمها ، فذلك عفو من الله تعالى ، ثم يتلو هذه الآية وقال أبو ثعلبة الخشني : إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها ، وحدَّ حدوداً فلا تعتدوها ، وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها .
ثم قال تعالى : * ( وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم ) * وفيه وجوه : الأول : أنه بيّن بالآية الأولى أن تلك الأشياء التي سألوا عنها أن أبديت لهم ساءتهم ثم بين بهذه الآية أنهم إن سألوا عنها أبديت لهم ، فكان حاصل الكلام أنهم إن سألوا عنها أبديت لهم ، وإن أبديت لهم ساءتهم ، فيلزم من مجموع المقدمتين أنهم إن سألوا عنها ظهر لهم ما يسوءهم ولا يسرهم . والوجه
تفسير الرازي — صفحة 106
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٠٦