تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
المسألة الثانية : أنهم إنما كانوا كافرين حقاً لوجهين : الأول : أن الدليل الذي يدل على نبوّة البعض ليس إلاّ المعجز ، وإذا كان دليلاً على النبوّة لزم القطع بأنه حيث حصل حصلت النبوّة فإن جوزنا في بعض المواضع حصول المعجز بدون الصدق تعذر الاستدلال به على الصدق ، وحينئذ يلزم الكفر بجميع الأنبياء فثبت أن من لم يقبل نبوّة أحد منهم لزمه الكفر بجميعهم . فإن قيل : هب أنه يلزمهم الكفر بكل الأنبياء ، ولكن ليس إذا توجه بعض الالزامات على الإنسان لزم أن يكون ذلك الإنسان قائلاً به ، فإلزام الكفر غير ، والتزام الكفر غير ، والقوم لما لم يلتزموا ذلك فيكف يقضى عليهم بالكفر . قلنا : الإلزام إذا كان خفياً بحيث يحتاج فيه إلى فكر وتأمل كان الأمر فيه كما ذكرتم ، أما إذا كان جلياً واضحاً لم يبقَ بين الالزام والالتزام فرق ، والثاني : وهو أن قبول بعض الأنبياء أن كان لأجل الانقياد لطاعة الله تعالى وحكمه وجب قبول الكل ، وإن كان لطلب الرياسة كان ذلك في الحقيقة كفراً بكل الأنبياء . المسألة الثالثة : في قوله * ( حقاً ) * وجهان : الأول : أنه انتصب على مثل قولك : زيد أخوك حقاً ، والتقدير أخبرتك بهذا المعنى إخباراً حقاً ، والثاني : أن يكون التقدير : أولئك هم الكافرون كفراً حقاً . طعن الواحدي فيه وقال : الكفر لا يكون حقاً بوجه من الوجوه . والجواب أن المراد بهذا الحق الكامل ، المعنى أولئك هم الكافرون كفراً كاملاً ثابتاً حقاً يقيناً . * ( وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ باِللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً ) * . واعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد أردفه بالوعد فقال : * ( والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفوراً رحيماً ) * وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : إنما قال : * ( ولم يفرقوا بين أحد منهم ) * مع أن التفريق يقتضي شيئين فصاعداً إلاّ أن أحداً لفظ يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث ، ويدل عليه وجهان : الأول : صحة الاستثناء . والثاني : قوله تعالى : * ( لستن كأحد من النساء ) * ( الأحزاب : 32 ) . إذا عرفت هذا فتقدير الآية : ولم يفرقوا بين اثنين منهم أو بين جماعة . المسألة الثانية : تمسك أصحابنا بهذه الآية في إثبات العفو وعدم الاحباط فقالوا : إنه تعالى