تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
بالآخرة يستولي عليهم ويقهرهم ، ثم حكى تعالى عنهم سائر جهالاتهم وإصرارهم على أباطيلهم : فأحدها : أنه تعالى رفع فوقهم الطور بميثاقهم ، وفيه وجوه : الأول : أنهم أعطوا الميثاق على أن لا يرجعوا عن الدين . ثم رجعوا عنه وهموا بالرجوع ، فرفع الله فوقهم الطور حتى يخافوا فلا ينقضوا الميثاق . الثاني : أنهم امتنعوا عن قبول شريعة التوراة فرفع الله الجبل فوقهم حتى قبلوا ، وصار المعنى : ورفعنا فوقهم الطور لأجل أن يعطوا الميثاق بقبول الدين . الثالث : أنهم أعطوا الميثاق على أنهم إن هموا بالرجوع عن الدين فالله يعذبهم بأي نوع من أنواع العذاب أراد ، فلما هموا بترك الدين أظل الله الطور عليهم وهو المراد من قوله * ( ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم ) * . وثانيها : قوله : * ( وقلنا لهم ادخلوا الباب سجداً ) * ومضى بيانه في سورة البقرة . وثالثها : قوله * ( وقلنا لهم لا تعدوا في السبت وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : * ( لا تعدوا في السبت ) * ، فيه وجهان : الأول : لا تعدوا باقتناص السمك فيه قال الواحدي : يقال عدا عليه أشد العداء والعدو والعدوان ، أي ظلمه وجاوز الحد ، ومنه قوله * ( فيسبوا الله عدواً ) * ( الأنعام : 108 ) الثاني : لا تعدوا في السبت من العدو بمعنى الحضر ، والمراد النهي عن العمل والكسب يوم السبت ، كأنه قال لهم : اسكنوا عن العمل في هذا اليوم واقعدوا في منازلكم فأنا الرزاق . المسألة الثانية : قرأ نافع * ( لا تعدوا ) * ساكنة العين مشددة الدال ، وأراد : لا تعتدوا ، وحجته قوله * ( ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت ) * ( البقرة : 65 ) فجاء في هذه القصة بعينها افتعلوا ، ثم أدغم التاء في الدال لتقاربهما ولأن الدال تزيد على التاء في الجهر ، وكثير من النحويين ينكرون الجمع بين الساكنين إذا كان الثاني منهما مدغماً ولم يكن الأول حرف لين نحو دابة وشابة ، وقيل لهم ، ويقولون : إن المد يصير عوضاً عن الحركة ، وروى ورش عن نافع * ( لا تعدوا ) * بفتح العين وتشديد الدال ، وذلك لأنه لما أدغم التاء في الدال نقل حركتها إلى العين ، والباقون * ( تعدوا ) * بضم الدال وسكون العين حقيقة . المسألة الثالثة : قال القفال : الميثاق الغليط هو العهد المؤكد غاية التوكيد ، وذلك بين فيما يدعونه من التوراة
تفسير الرازي — صفحة 96 | فخر الدين الرازي