تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
ومن تأمل علم أن هذه الأسرار مما لا يمكن الوصول إليها إلا بالتأييد الإلهي والله أعلم . ثم قال تعالى : * ( إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما ) * أي إن يكن المشهود عليه غنياً أو فقيراً فلا تكتموا الشهادة إما لطلب رضا الغنى أو الترحم على الفقير ، فالله أولى بأمورهما ومصالحهما ، وكان من حق الكلام أن يقال : فالله أولى به ، لأن قوله * ( إن يكن غنياً أو فقيراً ) * في معنى أن يكن أحد هذين إلا أنه بنى الضمير على الرجوع إلى المعنى دون اللفظ ، أي الله أولى بالفقير والغني ، وفي قراءة أبي فالله أولى بهم ، وهو راجع إلى قوله * ( أو الوالدين والأقربين ) * وقرأ عبد الله : إن يكن غني أو فقير ، على ( كان ) التامة . ثم قال تعالى : * ( فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا ) * والمعنى اتركوا متابعة الهوى حتى تصيروا موصوفيه بصفة العدل ، وتحقيق الكلام أن العدل عبارة عن ترك متابعة الهوى ، ومن ترك أحد النقيضين فقد حصل له الآخر ، فتقدير الآية : فلا تتبعوا الهوى لأجل أن تعدلوا يعني اتركوا متابعة الهوى لأجل أن تعدلوا . ثم قال تعالى : * ( وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً ) * وفي الآية قراءتان قرأ الجمهور * ( وإن تلووا ) * بواوين ، وقرأ ابن عامر وحمزة * ( تلوا ) * وأما قراءة تلووا ففيه وجهان : أحدهما : أن يكون بمعنى الدفع والاعراض من قولهم : لواه حقه إذا مطله ودفعه . الثاني : أن يكون بمعنى التحريف والتبديل من قولهم : لوى الشيء إذا فتله ، ومنه يقال : التوى هذا الأمر إذا تعقد وتعسر تشبيهاً بالشيء المنفتل ، وأما * ( تلوا ) * ففيه وجهان : الأول : أن ولاية الشيء إقبال عليه واشتغال به ، والمعنى أن تقبلوا عليه فتتموه أو تعرضوا عنه فإن الله كان بما تعلمون خبيراً فيجازى المسحن المقبل بإحسانه والمسئ المعرض بإساءته ، والحاصل : إن تلووا عن إقامتها أو تعرضوا عن إقامتها ، والثاني : قال الفرّاء والزجاج : يجوز أن يقال : * ( تلوا ) * أصله تلووا ثم قبلت الواو همزة ، ثم حذفت الهمزة وألقيت حركتها على الساكن الذي قبلها فصار * ( تلووا ) * وهذا أضعف الوجهين ، وأما قوله * ( فإن الله كان بما تعلمون خبيراً ) * فهو تهديد ووعيد للمذنبين ووعد بالإحسان للمطيعين . * ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِى نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ