من كان كذلك فإنه لا بدّ وأن يكون واسع القدرة والعلم والجود والفضل والرحمة . الثاني : أنه تعالى لما أمر بالعدل والإحسان إلى اليتامى والمساكين بيّن أنه ما أمر بهذه الأشياء لاحتياجه إلى أعمال العباد ، لأن مالك السماوات والأرض كيف يعقل أن يكون محتاجاً إلى عمل الإنسان مع ما هو عليه من الضعف والقصور ، بل إنما أمر بها رعاية لما هو الأحسن لهم في دنياهم وأخراهم .
ثم قال تعالى : * ( ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : المراد بالآية أن الأمر بتقوى الله شريعة عامة لجميع الأمم لم يلحقها نسخ ولا تبديل ، بل هو وصية الله في الأولين والآخرين .
المسألة الثانية : قوله * ( من قبلكم ) * فيه وجهان : الأول : أنه متعلق بوصينا ، يعني ولقد وصينا من قبلكم الذين أوتوا الكتاب . والثاني : أنه متعلق بأوتوا ، يعني الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وصيناهم بذلك . وقوله * ( وإياكم ) * بالعطف على * ( الذين أوتوا الكتاب ) * والكتاب اسم للجنس يتناول الكتب السماوية ، والمراد اليهود والنصارى .
المسألة الثالثة : قوله * ( أن اتقوا الله ) * كقولك : أمرتك الخير ، قال الكسائي : يقال أوصيتك أن أفعل كذا وأن تفعل كذا ، ويقال : ألم آمرك أن ائت زيداً ، وأن تأتي زيداً ، قال تعالى : * ( أمرت أن أكون أول من أسلم ) * ( الأنعام : 14 ) وقال * ( إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة ) * ( النمل : 91 ) . ثم قال تعالى : * ( وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله غنياً حميداً ) * قوله * ( وإن تكفروا ) * عطف على قوله * ( اتقوا الله ) * والمعنى : أمرناهم وأمرناكم بالتقوى ، وقلنا لهم ولكم : إن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض . وفيه وجهان : الأول : أنه تعالى خالقهم ومالكهم والمنعم عليهم بأصناف النعم كلها ، فحق كل عاقل أن يكون منقاداً لأوامره ونواهيه يرجو ثوابه ويخاف عقابه ، والثاني : أنكم إن تكفروا فإن لله ما في سماواته وما في أرضه من أصناف المخلوقات من يعبده ويتقيه ، وكان مع ذلك غنياً عن خلقهم وعن عبادتهم ، ومستحقاً لأن يحمد لكثرة نعمه ، وإن لم يحمده أحد منهم فهو في ذاته محمود سواء حمدوه أو لم يحمدوه . ثم قال تعالى : * ( ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلاً ) * فإن قيل : ما الفائدة في تكرير قوله * ( ولله ما في السماوات وما في الأرض ) * قلنا : إنه تعالى ذكر هذه الكلمات في هذه الآية ثلاث مرات لتقرير ثلاثة أمور : فأولها : أنه تعالى قال : * ( وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته ) * ( النساء : 130 ) والمراد منه كونه تعالى جواداً متفضلاً ، فذكر عقيبه قوله * ( والله ما في السماوات وما في الأرض ) * والغرض تقرير كونه واسع الجود والكرم ، وثانيها :
تفسير الرازي — صفحة 70
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٧٠