* ( ومن يشرك بالله فقد ضلّ ضلالاً بعيداً ) * يعني ومن لم يشرك بالله لم يكن ضلاله بعيداً ، فلا جرم لا يصير محروماً عن رحمتي ، وهذه المناسبات دالة قطعاً على دلالة هذه الآية على أن ما سوى الشرك مغفور قطعاً سواء حصلت التوبة أو لم تحصل ، ثم إنه تعالى بيّن كون الشرك ضلالاً بعيداً فقال * ( إن يدعون من دونه إلا إناثاً وإن يدعون إلا شيطاناً مريداً لعنه الله ) * * ( إن ) * ههنا معناه النفي ونظيره قوله تعالى : * ( وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ) * ( النساء : 159 ) و * ( يدعون ) * بمعنى يعبدون لأن من عبد شيئاً فإنه يدعوه عند احتياجه إليه ، وقوله * ( إلا إناثاً ) * فيه أقوال : الأول : أن المراد هو الألأثان وكانوا يسمونها باسم الإناث كقولهم : الّلات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ، واللات تأنيث الله ، والعزى تأنيث العزيز . قال الحسن : لم يكن حي من أحياء العرب إلا ولهم صنم يعبدونه ويسمونه أنثى بني فلان ، ويدل على صحة هذا التأويل قراءة عائشة رضي الله عنها : إلا أوثاناً ، وقراءة ابن عباس : إلا اثنا ، جمع وثن مثل أسد وأسد ، ثم أبدلت من الواو المضمومة همزة نحو قوله * ( وإذا الرسل أقتت ) * ( المرسلات : 11 ) قال الزجاج : وجائز أن يكون أثن أصلها أثن ، فأتبعت الضمة الضمة . القول الثاني : قوله * ( إلا إناثاً ) * أي إلا أمواتاً ، وفي تسمية الأموات إناثاً وجهان : الأول : أن الأخبار عن الموات يكون على صيغة الأخبار عن الأنثى ، تقول : هذه الأحجار تعجبني : كما تقول : هذه المرأة تعجبني . الثاني : أن الأنثى أخس من الذكر ، والميت أخس من الحي ، فلهذه المناسبة أطلقوا اسم الأنثى على الجمادات الموات . القول الثالث : أن بعضهم كان يعبد الملائكة ، وكانوا يقولون : الملائكة بنات الله قال تعالى : * ( إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى ) * ( النجم : 27 ) والمقصود من الآية هل إنسان أجهل ممن أشرك خالق السماوات والأرض وما بينهما جماداً يسميه بالأنثى . ثم قال : * ( وإن يدعون إلا شيطاناً مريداً ) * قال المفسرون : كان في كل واحد من تلك الأوثان شيطان يتراءى للسدنة يكلمهم ، وقال الزجاج : المراد بالشيطان ههنا إبليس بدليل أنه تعالى قال بعد هذه الآية * ( وقال لأتخذن من عبادك نصيباً مفروضاً ) * ولا شك أن قائل هذا القول هو إبليس ، ولا يبعد أن الذي تراءى للسدنة هو إبليس ، وأما المريد فهو المبالغ في العصيان الكامل في البعد من الطاعة ويقال له : مارد ومريد ، قال الزجاج : يقال : حائط ممرد أي مملس ، ويقال شجرة مرداء إذا تناثر ورقها ، والذي لم تنبت له لحية يقال له أمرد لكون موضع اللحية أملس ، فمن كان شديد البعد عن الطاعة يقال له مريد ومارد لأنه مملس عن طاعة الله لم يلتصق به من هذه الطاعة شيء . ثم قال تعالى ؛ * ( لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيباً مفروضاً ) * وفيه مسألتان .
تفسير الرازي — صفحة 46
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٤٦