تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
ثم قال * ( نوله ما تولى ) * أي نتركه وما اختار لنفسه ، ونكله إلى ما توكل عليه . قال بعضهم : هذا منسوخ بآية السيف لا سيما في حق المرتد . ثم قال * ( ونصله جهنم ) * يعني نلزمه جنهم ، وأصله الصلاء وهو لزوم النار وقت الاستدفاء * ( وساءت مصيراً ) * انتصب * ( مصيراً ) * على التمييز كقولك : فلان طاب نفساً ، وتصبب عرقاً ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : روي أن الشافعي رضي الله عنه سئل عن آية في كتاب الله تعالى تدل على أن الإجماع حجة ، فقرأ القرآن ثلاثمائة مرة حتى وجد هذه الآية ، وتقرير الاستدلال أن اتباع غير سبيل المؤمنين حرام ، فوجب أن يكون اتباع سبيل المؤمنين واجباً ، بيان المقدمة الأولى أنه تعالى الحق الوعيد بمن يشاقق الرسول ويتبع غير سبيل المؤمنين ، ومشاقة الرسول وحدها موجبة لهذا الوعيد ، فلو لم يكن اتباع غير سبيل المؤمنين موجباً له لكان ذلك ضماً لما لا أثر له في الوعيد إلى ما هو مستقل باقتضاء ذلك الوعيد وإنه غير جائز ، فثبت أن اتباع غير سبيل المؤمنين حرام ، وإذا ثبت هذا لزم أن يكون اتباع سبيلهم واجباً ، وذلك لأن عدم اتباع سبيل المؤمنين يصدق عليه أنه اتباع لغير سبيل المؤمنين ، فإذا كان اتباع غير سبيل المؤمنين حراماً لزم أن يكون عدم اتباع سبيل المؤمنين حراماً ، وإذا كان عدم اتباعهم حراماً كان اتباعهم واجباً ، لأنه لا خروج عن طرفي النقيض . فإن قيل : لا نسلم أن عدم اتباع سبيل المؤمنين يصدق عليه أنه اتباع لغير سبيل المؤمنين ، فإنه لا يمتنع أن لا يتبع لا سبيل المؤمنين ولا غير سبيل المؤمنين . وأجيب عن هذا السؤال بأن المتابعة عبارة عن الإتيان بمثل ما فعل الغير ، فإذا كان من شأن غير المؤمنين أن لا يتبعوا سبيل المؤمنين فكل من لم يتبع سبيل المؤمنين فقد أتى بمثل فعل غير المؤمنين فوجب كونه متبعاً لهم ، ولقائل أن يقول : الاتباع ليس عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير وإلا لزم أن يقال : الأنبياء والملائكة متبعون لآحاد الخلق من حيث أنهم يوحدون الله كما أن كل واحد من آحاد الأمة يوحد الله ، ومعلوم أن ذلك لا يقال ، بل الاتباع عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير لأجل أنه فعل ذلك الغير ، وإذا كان كذلك فمن ترك متابعة سبيل المؤمنين ، فهذا سؤال قوي على هذا الدليل ، وفيه أبحاث أُخر دقيقة ذكرناها في كتاب