تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨
موصوفاً بذلك . والأصل الثاني : وهو أن أهل السنة يقولون : الاضلال عبارة عن خلق الكفر والضلال وقلنا : ليس الإضلال عبارة عن خلق الكفر والضلال بدليل أن إبليس وصف نفسه بأنه مضل مع أنه بالإجماع لا يقدر على خلق الضلال . والجواب : أن هذا كلام إبليس فلا يكون حجة ، وأيضاً أن كلام إبليس في هذه المسألة مضطرب جداً ، فتارة يميل إلى القدر المحض ، وهو قوله * ( لأغوينهم أجمعين ) * وأخرى إلى الجبر المحض وهو قوله * ( ربِّ بما أغويتني ) * ( القصص : 39 ) وتارة يظهر التردد فيه حيث قال : * ( ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا ) * ( القصص : 63 ) يعني أن قول هؤلاء الكفار : نحن أغوينا فمن الذي أغوانا عن الدين ؟ ولا بدّ من انتهاء الكل بالآخرة إلى الله . وثالثها : قوله * ( ولأمنينهم ) * واعلم أنه لما ادعى أنه يضل الخلق قال * ( ولأمنينهم ) * وهذا يشعر بأنه لا حيلة له في الاضلال أقوى من إلقاء الأماني في قلوب الخلق ، وطلب الأماني يورث شيئين : الحرص والأمل ، والحرص والأمل يستلزمان أكثر الأخلاق الذميمة ، وهما كالأمرين اللازمين لجوهر الإنسان قال صلى الله عليه وسلم : " يهرم ابن آدم ويشب معه اثنان الحرص والأمل " والحرص يستلزم ركوب أهوال الدنيا وأهوال الدين فإنه إذا اشتد حرصه على الشيء فقد لا يقدر على تحصيله إلا بمعصية الله وإيذاء الخلق ، وإذا طال أمله نسي الآخرة وصار غريقاً في الدنيا فلا يكاد يقدم على التوبة ، ولا يكاد يؤثر فيه الوعظ فيصير قلبه كالحجارة أو أشد قسوة . ورابعها : قوله * ( ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ) * البتك القطع ، وسيف باتك أي قاطع ، والتبتيك التقطيع . قال الواحدي رحمه الله : التبتيك ههنا هو قطع آذان البحيرة بإجماع المفسرين ، وذلك أنهم كانوا يشقون آذان الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكراً ، وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها . وقال آخرون : المراد أنهم يقطعون آذان الأنعام نسكاً في عبادة الأوثان فهم يظنون أن ذلك عبادة مع أنه في نفسه كفر وفسق . خامسها : قوله * ( ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ) * وللمفسرين ههنا : قولان : الأول : أن المراد من تغيير خلق الله تغيير دين الله ، وهو قول سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب والحسن والضحاك ومجاهد والسدي والنخعي وقتادة ، وفي تقرير هذا القول وجهان : الأول : أن الله تعالى فطر الخلق على الإسلام يوم أخرجهم من ظهر آدم كالذر وأشهدهم على أنفسهم أنه ربهم وآمنوا به ، فمن كفر فقد غير فطرة الله التي فطر الناس عليها ، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم : " كل مولود يولد على الفطرة " ولكن أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه . والوجه الثاني : في تقرير هذا القول : أن المراد من تغيير دين الله هو تبديل الحلال حراماً