تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 41

مساهمون:

ص٤١
الوجوه مبنية على معنى النجوى في هذه الآية ، فإن جعلنا معنى النجوى ههنا السر فيجوز أن يكون في موضع النصب ، لأنه استثناء الشيء عن خلاف جنسه فيكون نصباً كقوله * ( إلا أذى ) * ( آل عمران : 111 ) ويجوز أن يكون رفعاً في لغة من يرفع المستثنى من غير الجنس كقوله : إلا اليعافير وإلا العيس وأبو عبيدة جعل هذا من باب حذف المضاف فقال : التقدير إلا في نجوى من أمر بصدقة ثم حذف المضاف ، وعلى هذا التقدي يكون * ( من ) * في محل النجوى لأنه أقيم مقامه ، ويجوز فيه وجهان : إحداهما : الخفض بدل من نجواهم ، كما تقول : ما مررت بأحد إلا زيد . والثاني : النصب على الاستثناء فكما تقول ما جاءني أحد إلا زيداً ، وهذا استثناء الجنس من الجنس ، وأما ان جعلنا النجوى اسماً للقوم المتناجين كان منصوباً على الاستثناء لأنه استثناء الجنس من الجنس ، ويجوز أن يكون * ( من ) * في محل الخفض من وجهين : أحدهما : أن تجعله تبعاً لكثير ، على معنى : لا خير في كثير من نجواهم إلا فيمن أمر بصدقة ، كقولك : لا خير في القوم إلا نفر منهم . والثاني : أن تجعله تبعاً للنجوى ، كما تقول : لا خير في جماعة من القوم إلا زيد ، إن شئت أتبعت زيداً الجماعة ، وإن شئت أتبعه القوم ، والله أعلم . المسألة الثالثة : هذه الآية وإن نزلت في مناجاة بعض قوم ذلك السارق مع بعض إلا أنها في المعنى عامة ، والمراد : لا خير فما يتناجى فيه الناس ويخوضون فيه من الحديث إلا ما كان من أعمال الخير ، ثم إنه تعالى ذكر من أعمال الخير ثلاثة أنواع : الأمر بالصدقة ، والأمر بالمعروف ، والاصلاح بين الناس ، وإنما ذكر الله هذه الأقسام الثلاثة ، وذلك لأن عمل الخير إما أن يكون بإيصال المنفعة أو بدفع المضرة ، أما إيصال الخير فاما أن يكون من الخيرات الجسمانية وهو إعطاء المال ، وإليه الإشارة بقوله * ( إلا من أمر بصدقه ) * وإما أن يكون من الخيرات الروحانية ، وهو عبارة عن تكميل القوة النظرية بالعلوم ، أو تكميل القوة العملية بالأفعال الحسنة ، ومجموعها عبارة عن الأمر بالمعروف ، وإليه الإشارة بقوله * ( أو معروف ) * وأما إزالة الضرر فإليها الإشارة بقوله * ( أو إصلاح بين الناس * ( فثبت أن مجامع الخيرات مذكورة في هذه الآية ، ومما يدل على صحة ما ذكرنا قوله عليه الصلاة والسلام : " كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا ما كان من أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو ذكر الله " وقيل لسفيان الثوري : ما أشد هذا الحديث ! فقال سفيان : ألم تسمع الله يقول * ( لا خير في كثير من نجواهم ) * فهو هذا بعينه ، أما سمعت الله يقول * ( والعصر أن الإنسان لفي خسر ) * ( العصر : ( 1 ، 2 ) فهو هذا بعينه . ثم قال تعالى : * ( ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً ) * والمعنى أن هذه الأقسام الثلاثة من الطاعات وإن كانت في غاية الشرف والجلالة إلا أن الإنسان إنما ينتفع بها