تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨
وأحمد وإسحاق : لا يجمع بين القطع والعزم ، فإن غرم فلا قطع ، وإن قطع فلا غرم . وقال مالك رحمه لله : يقطع بكل حال ، وأما الغرم فليزمه إن كان غنياً ، ولا يلزمه إن كان فقيراً . حجة الشافعي رحمه الله أن الآية دلت على أن السرقة توجب القطع ، وقوله عليه الصلاة والسلام : " على اليد ما أخذت حتى تؤديه " يوجب الضمان ، وقد احتج الأمران في هذه السرقة فوجب أن يحب القطع والضمان ، فلو ادعى مدع أن الجمع ممتنع كان ذلك معارضة ، وعليه الدليل ، على أنا نقول : إن حد الله لا يمنع حق العباد ، بدليل أنه يجتمع الجزاء والقيمة في الصيد المملوك ، وبدليل أنه لو كان المسروق باقياً وجب رده بالإجماع ، ويدل عليه أيضاً أن المسروق كان باقياً على ملك المالك إلى وقت قطع يد السارق بالاتفاق ، فعند حصول القطع إما أن يحصل الملك فيه مقتصراً على وقت القطع ، أو مسنداً إلى أول زمان السرقة ، والأول : لا يقول به الخصم ، والثاني : يقتضي أن يقال : إنه حدث الملك فيه من وقت القطع في الزمان الذي كان سابقاً على ذلك الوقت ، وهذا يقتضي وقوع الفعل في الزمان الماضي . وهذا محال . حجة أبي حنيفة رحمه الله أنه تعالى حكم بكون هذا القطع جزاء ، والجزاء هو الكافي ، فدل ذلك على أن هذا القطع كاف في جناية السرقة ، وإذا كان كافياً وجب أن لا يضم الغرم إليه . والجواب : لو كان الأمر كما قلتم لوجب أن لا يلزم رد المسروق عند كونه قائماً ، والله أعلم بالصواب . المسألة السادسة : قال الشافعي رحمه الله : السيد يملك إقامة الحد على المماليك . وقال أبو حنيفة رحمه الله : لا يملك . حجة الشافعي أن قوله * ( فاقطعوا أيديهما ) * عام في حق الكل ، لأن هذا الخطاب ليس فيه ما يدل على كونه مخصوصاً بالبغض دون البعض ، ولما عم الكل دخل فيه المولى أيضاً ، ترك العمل به في حق غير الإمام والمولى ، فوجب أن يبقى معمولاً به في حق الإمام والمولى . المسألة السابعة : احتج المتكلمون بهذه الآية في أنه يجب على الأمة أن ينصبوا لأنفسهم إماماً معيناً والدليل عليه أنه تعالى أوجب بهذه الآية إقامة الحد على السراق والزناة ، فلا بدّ من شخص يكون مخاطباً بهذا الخطاب ، وأجمعت الأمة على أنه ليس لآحاد الرعية إقامة الحدود على الجناة ، بل أجمعوا على أنه لا يجوز إقامة الحدود على الأحرار الجناة إلا للإمام ، فلما كان هذا التكليف تكليفاً جازماً ولا يمكن الخروج عن عهدة هذا التكليف إلا عند وجود الإمام ، وما لا يتأتى الواجب إلا به ، وكان مقدوراً للمكلف ، فهو واجب ، فلزم القطع بوجوب نصب الإمام حينئذٍ .