تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
الشرع إنما قطع يده بسبب أنه تحمل الدناءة والخساسة في سرقة ذلك القدر القليل ، فلا يبعد أن يعاقبه الشرع بسبب تلك الدناءة بهذه العقوبة العظيمة ، وإذا كان هذا الجواب مقبولاً من الكل فليكن أيضاً مقبولاً منا في إيجاب القطع في القليل والكثير . قال : ومما يدل على أنه لا يجوز تخصيص عموم القرآن ههنا بخبر الواحد ، وذلك لأن القائلين بتخصيص هذا العموم اختلفوا على وجوه ، فقال الشافعي رحمه لله : يجب القطع في ربع دينار ، وروي فيه قوله عليه الصلاة والسلام : " لا قطع إلا ربع دينار " وقال أو حنيفة رحمه الله : لا يجوز القطع إلا في عشرة دراهم مضروبة وروي فيه قوله عليه الصلاة والسلام : " لا قطع إلا في ثمن المجن " والظاهر أن ثمن المجن لا يكون أقل من عشرة دراهم . وقال مالك وأحمد وإسحاق : إنه مقدر بثلاثة دراهم أو ربع دينار . وقال ابن أبي ليلى : مقدر بخمسة دراهم ، وكل واحد من هؤلاء المجتهدين يطعن في الخبر الذي يرويه الآخر ، وعلى هذا التقدير فهذه المخصصات صارت متعارضة ، فوجب أن لا يلتفت إلى شيء منها ، ويرجع في معرفة حكم الله تعالى إلى ظاهر القرآن . قال : وليس لأحد أن يقول : إن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على أنه لا يجب القطع إلا في مقدار معين . قال : لأن الحسن البصري كان يوجب القطع بمطلق السرقة ، وكان يقول : احذر من قطع يدك بدرهم ، ولو كان الاجماع منعقداً لما خالف الحسن البصري فيه مع قربه من زمان الصحابة وشدة احتياطه فيما يتعلق بالدين ، فهذا تقرير مذهب الحسن البصري وداود الأصفهاني . وأما الفقهاء فإنهم اتفقوا على أنه لا بدّ في وجوب القطع من القدر ، ثم قال الشافعي رحمه الله : القطع في ربع دينار فصاعداً وهو نصاب السرقة ، وسائر الأشياء تقوم به . وقال أبو حنيفة والثوري : لا يجب القطع في أقل من عشرة دارهم مضروبة ، ويقوم غيرها بها . وقال مالك رحمه الله : ربع دينار أو ثلاثة دراهم . وقال ابن أبي ليلى : خمسة دراهم . حجة الشافعي رحمه الله أن ظاهر قوله * ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) * يوجب القطع في القليل والكثير ، إلا أن الفقهاء توافقوا فيما بينهم على أنه لا يجب القطع فيما دون ربع دينار ، فوجب أن يبقى في ربع دينار فصاعداً على ظاهر النص ، ثم أكد هذ بما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال : " لا قطع إلا في ربع دينار " . وأما الذي تمسك به أبو حنيفة رحمه الله من قوله عليه الصلاة والسلام : " لا قطع إلا في ثمن المجن " فهو ضعيف لوجهين : الأول : أن ثمن المجن مجهول ، فتخصيص عموم القرآن بخبر واحد مجمل مجهول المعنى لا يجوز . الثاني : أنه إن كان ثمن المجن مقدراً بعشرة دراهم كان التخصيص