تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
المسألة الثالثة : قال القائلون بالقياس : دلت الآية على أن أحكام الله تعالى قد تكون معللة بالعلل ، وذلك لأنه تعالى قال : * ( من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل ) * كذا وكذا ، وهذا تصريح بأن كتبة تلك الأحكام معللة بتلك المعاني المشار إليها بقوله * ( من أجل ذلك ) * والمعتزلة أيضاً قالوا : دلت هذه الآية على أن أحكام الله تعالى معللة بمصالح العباد ، ومتى ثبت ذلك امتنع كونه تعالى خالقاً للكفر والقبائح فيهم مريداً وقوعها منهم ، لأن خلق القبائح وإرادتها تمنع من كونه تعالى مراعياً للمصالح . وذلك يبطل التعليل المذكور في هذه الآية . قال أصحابنا : القول بتعليل أحكام الله تعالى محال لوجوه : أحدها : أن العلة إن كانت قديمة لزم قدم المعلول ، وإن كانت محدثة وجب تعليلها بعلة أخرى ولزم التسلسل ، وثانيها : لو كان معللاً بعلة فوجود تلك العلة وعدمها بالنسبة إلى الله تعالى إن كان على السوية امتنع كونه علة ، وإن لم يكن على السوية فأحدهما به أولى ، وذلك يقتضي كونه مستفيداً تلك الأولوية من ذلك الفعل ، فيكون ناقصاً لذاته مستكملاً بغيره وهو محال . وثالثها : أنه قد ثبت توقف الفعل على الوداعي ، ويمتنع وقوع التسلسل في الدواعي ، بل يجب انتهاؤها إلى الداعية الأولى التي حدثت في العبد لا من العبد بل من الله ، وثبت أن عند حدوث الداعية يجب الفعل ، وعلى هذا التقدير فالكل من الله ، وهذا يمنع من تعليل أفعال الله تعالى وأحكامه ، فثبت أن ظاهر هذه الآية من المتشابهات لا من المحاكمات ، والذي يؤكد ذلك قوله تعالى : * ( قل فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً ) * ( المائدة : 17 ) وذلك نص صريح في أنه يحسن من الله كل شيء ولا يتوقف خلقه وحكمه على رعاية المصالح . المسألة الرابعة : قوله * ( أو فساد في الأرض ) * قال الزجاج : إنه معطوف على قوله * ( نفس ) * والتقدير من قتل نفساً بغير نفس أو بغير فساد في الأرض ، وإنما قال تعالى ذلك لأن القتل يحل لأسباب كثيرة ، منها القصاص وهو المراد بقوله * ( من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض ) * ومنها الكفر مع الحراب ، ومنها الكفر بعد الإيمان ، ومنها قطع الطريق وهو المراد بقوله تعالى بعد هذه الآية * ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ) * ( المائدة : 33 ) فجمع تعالى كل هذه الوجوه في قوله * ( أو فساد في الأرض ) * . المسألة الخامسة : قوله فكأنما قتل الناس جميعاً ) * وفيه إشكال . وهو أن قتل النفس الواحدة كيف يكون مساوياً لقتل جميع الناس ، فإن من الممتنع أن يكون الجزء مساوياً للكل ، وذكر المفسرون بسبب هذا السؤال وجوهاً من الجواب وهي بأسرها مبنية على مقدمة واحدة وهي أن تشبيه أحد الشيئين بالآخر لا يقتضي الحكم بمشابهتهما من كل الوجوه ، لأن قولنا : هذا يشبه ذاك أعم من قولنا : إنه يشبهه من كل الوجوه ، أو من بعض الوجوه ، وإذا