تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
فتلهف على فعله ، وعلم أنه لا قدرة له على التقرب إلى أخيه إلا بأن يدفنه في الأرض ، فلا جرم قال : يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب . المسألة الثانية : قوله : * ( يا ويلتي ) * اعتراف على نفسه باستحقاق العذاب ، وهي كلمة تستعمل عند وقوع الداهية العظيمة ، ولفظها لفظ النداء ، وكأن الويل غير حاضر له فناداه ليحضره ، أي أيها الويل أحضر ، فهذا أوان حضورك ، وذكر * ( يا ) * زيادة بيان كما في قوله * ( يا ويلتي أأكد ) * ( هود : 72 ) والله أعلم . المسألة الثالثة : لفظ الندم وضع للزوم ، ومنه سمي النديم نديماً لأنه يلازم المجلس . وفيه سؤال : وهو أنه صلى الله عليه وسلم قال : " الندم توبة " فلما كان من النادمين كان من التائبين فلم لم تقبل توبته ؟ أجابوا عنه من وجوه : أحدها : أنه لما لم يعلم الدفن إلا من الغراب صار من النادمين على حمله على ظهره سنة ، والثاني : أنه صار من النادمين على قتل أخيه ، لأنه لم ينتفع بقتله ، وسخط عليه بسببه أبوه وإخوته ، فكان ندمه لأجل هذه الأسباب لا لكونه معصية ، والثالث : أن ندمه كان لأجل أنه تركه بالعراء استخفافاً به بعد قتله ، فلما رأى أن الغراب لما قتل الغراب دفنه ندم على قساوة قلبه وقال : هذا أخي وشقيقي ولحمه مختلط بلحمي ودمه مختلط بدمي ، فإذا ظهرت الشفقة من الغراب على الغراب ولم تظهر مني على أخي كنت دون الغراب في الرحمة والأخلاق الحميدة فكان ندمه لهذه الأسباب ، لا لأجد الخوف من الله تعالى فلا جرم لم ينفعه ذلك الندم ثم قال تعالى : * ( مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِى إِسْرَاءِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الاَْرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً ) * وفيه مسائل :