المسألة الأولى : قوله : * ( من أجل ذلك ) * أي بسبب فعلته . فإن قيل عليه سؤالان : الأول : إن قوله * ( من أجل ذلك ) * أي من أجل ما مرّ من قصة قابيل وهابيل كتبنا على بني إسرائيل القصاص ، وذاك مشكل فإنه لا مناسبة بين واقعة قابيل وهابيل وبين وجوب القصاص على بني إسرائيل . الثاني : أن وجوب القصاص حكم ثابت في جميع الأمم فما فائدة تخصيصه ببني إسرائيل ؟ والجواب عن الأول من وجهين : أحدهما : قال الحسن : هذا القتل إنما وقع في بني إسرائيل لا بين ولدي آدم من صلبه ، وقد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدم ، والثاني : أنا نسلم أن هذا القتل وقع بين ولدي آدم من صلبه ، ولكن قوله * ( من أجل ذلك ) * ليس إشارة إلى قصة قابيل وهابيل ، بل هو إشارة إلى ما مر ذكره في هذه القصة من أنواع المفاسد الحاصلة بسبب القتل الحرام ، منها قوله * ( فأصبح من الخاسرين ) * ( المائدة : 30 ) ومنها قوله * ( فأصبح من النادمين ) * ( المائدة : 31 ) فقوله * ( فأصبح من الخاسرين ) * إشارة إلى أنه حصلت له خسارة الدين والدنيا ، وقوله * ( فأصبح من النادمين ) * إشارة إلى أنه حصل من قلبه أنواع الندم والحسرة والحزن مع أنه لا دفع له البتة ، فقوله : * ( من أجد ذلك كتبنا على بني إسرائيل ) * أي من أجد ذلك الذي ذكرنا في أثناء القصة من أنواع المفاسد المتولدة من القتل العمد العدوان شرعنا القصاص من حق القاتل ، وهذا جواب حسن والله أعلم . وأما السؤال الثاني : والجواب عنه أن وجوب القصاص في حق القاتل وإن كان عاماً في جميع لأديان والملل ، إلا أن التشديد المذكور ههنا في حق بني إسرائيل غير ثابت في جميع الأديان لأنه تعالى حكم ههنا بأن قتل النفس الواحدة جار مجرى قتل جميع الناس ، ولا شك في أن المقصود منه المبالغة في شرح عقاب القتل العمد العدوان ، والمقصود من شرح هذه المبالغة أن اليهود مع علمهم بهذه المبالغة العظيمة أقدموا على قتل الأنبياء والرسل . وذلك يدل على غاية قساوة قلوبهم ونهاية بعدهم عن طاعة الله تعالى ، ولما كان الغرض من ذكر هذه القصص تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام في الواقعة التي ذكرنا أنهم عزموا على الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم وبأكابر أصحابه ، كان تخصيص بني إسرائيل في هذه القصة بهذه المبالغة العظيمة مناسباً للكلام ومؤكداً للمقصود .
المسألة الثانية : قرىء " من أجل ذلك " بحذف الهمزة وفتح النوق لالقاء حركتها عليها وقرأ أبو جعفر " من أجل ذلك " بكسر الهمزة ، وهي لغة ، فإذا خفف كسر النون ملقياً لكسر الهمزة عليها .
تفسير الرازي — صفحة 211
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢١١