تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
الأعداء يريدون إيقاع البلاء والمحنة بهم لكنه تعالى يحفظهم بفضله ويمنع أعداءهم من إيصال الشر إليهم ، ثم إنه تعالى لأجل التسلية وتخفيف هذه الأحوال على القلب ذكر قصصاً كثيرة في أن كل من خصه الله تعالى بالنعم العظيمة في الدين والدنيا فإن الناس ينازعونه حسداً وبغياً ، فذكر أولاً قصة النقباء الاثني عشر وأخذ الله تعالى الميثاق منهم ، ثم إن اليهود نقضوا ذلك الميثاق حتى وقعوا في اللعن والقساوة ، وذكر بعده شدة إصرار النصارى على كفرهم وقولهم بالتثليث بعد ظهور الدلائل القاطعة على فساد ما هم عليه ، وما ذاك إلا لحسدهم لمحمد صلى الله عليه وسلم فيما آتاه الله من الدين الحق ، ثم ذكر بعده قصة موسى في محاربة الجبارين وإصرار قومه على التمرد والعصيان ، ثم ذكر بعده قصة موسى في محاربة الجبارين وإصرار قومه على التمرد والعصيان ، ثم ذكر بعده قصة ابني آدم أن أحدهما قتل الآخر حسداً منه على أن الله تعالى قبل قربانه ، وكل هذه القصص دالة على أن كل ذي نعمة محسود ، فلما كانت نعم الله على محمد صلى الله عليه وسلم أعظم النعم لا جرم لم يبعد اتفاق الأعداء على استخراج أنواع المكر والكيد في حقه ، فكان ذكر هذه القصص تسلية من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم لما هم قوم من اليهود أن يمكروا به وأن يوقعوا به آفة ومحنة . والثاني : أن هذا متعلق بقوله * ( يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير ) * ( المائدة : 15 ) وهذه القصة وكيفية إيجاب القصاص عليها من أسرار التوراة ، والثالث : أن هذه القصة متعلقة بما قبلها ، وهي قصة محاربة الجبارين ، أي أذكر لليهود حديث ابني آدم ليعلموا أن سبيل أسلافهم في الندامة والحسرة الحاصلة بسبب إقدامهم على المعصية كان مثل سبيل ابني آدم في إقدام أحدهما على قتل الآخر . والرابع : قيل هذا متصل بقوله حكاية عن اليهود والنصارى * ( نحن أبناء الله وأحباؤه ) * ( المائدة : 18 ) أي لا ينفعهم كونهم من أولاد الأنبياء مع كفرهم كما لم ينتفع ولد آدم عند معصيته بكون أبيه نبياً معظماً عند الله تعالى . الخامس : لما كفر أهل الكتاب بمحمد صلى الله عليه وسلم حسداً أخبرهم الله تعالى بخبر ابن آدم وأن الحسد أوقعه في سوء العاقبة ، والمقصود منه التحذير عن الحسد . المسألة الثانية : قوله * ( واتل عليهم ) * فيه قولان : أحدهما : واتل على الناس . والثاني : واتل على أهل الكتاب ، وفي قوله * ( ابني آدم ) * قولان : الأول : أنهما ابنا آدم من صلبه ، وهما هابيل وقابيل . وفي سبب وقوع المنازعة بينهما قولان : أحدهما : أن هابيل كان صاحب غنم ، وقابيل كان صاحب زرع ، فقرب كل واحد منهما قرباناً ، فطلب هابيل أحسن شاة كانت في غنمه وجعلها قرباناً ، وطلب قابيل شر حنطة في زرعه فجعلها قرباناً ، ثم تقرب كل واحد بقربانه إلى الله فنزلت نار من السماء فاحتملت قربان هابيل ولم تحمل قربان قابيل ، فعلم قابيل أن الله تعالى قبل قربان أخيه