تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
ثم حكى الله تعالى عن قابيل أنه قال لهابيل * ( لأقتلنك ) * فقال هابيل * ( إنما يتقبل الله من المتقين ) * وفي الكلام حذف ، والتقدير : كأن هابيل قال : لم تقتلني ؟ قال لأن قربانك صار مقبولاً ، فقال هابيل : وما ذنبي ؟ إنما يتقبل الله من المتقين . وقيل : هذا من كلام الله تعالى لنبيّه محمد صلى الله عليه وسلم اعتراضاً بين القصة ، كأنه تعالى بيّن لمحمد صلى الله عليه وسلم أنه إنما لم يقبل قربانه لأنه لم يكن متقياً . ثم حكى تعالى عن الأخ المظلوم أنه قال : * ( لَئِن بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لاَِقْتُلَكَ إِنِّى أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ) * والسؤال الأول : وهو أنه لم لم يدفع القاتل عن نفسه مع أن الدفع عن النفس واجب ؟ وهب أنه ليس بواجب فلا أقل من أنه ليس بحرام ، فلم قال * ( إني أخاف الله رب العالمين ) * . والجواب من وجوه : الأول : يحتمل أن يقال : لاح للمقتول بأمارات تغلب على الظن أنه يريد قتله فذكر له هذا الكلام على سبيل الوعظ والنصيحة ، يعني أنا لا أجوز من نفسي أن أبدأك بالقتل الظلم العدوان ، وإنما لا أفعله خوفاً من الله تعالى ، وإنما ذكر له هذا الكلام قبل إقدام القاتل على قتله وكان غرضه منه تقبيح القتل العمد في قلبه ، ولهذا يروى أن قابيل صبر حتى نام هابيل فضرب رأسه بحجر كبير فقتله . والوجه الثاني في الجواب : أن المذكور في الآية قوله * ( ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك ) * يعني لا أبسط يدي إليك لغرض قتلك ، وإنما أبسط يدي إليك لغرض الدفع . وقال أهل العلم : الدافع عن نفسه يجب عليه أن يدفع بالأيسر فالأيسر ، وليس له أن يقصد القتل بل يجل عليه أن يقصد الدفع ، ثم إن لم يندفع إلا بالقتل جاز له ذلك . الوجه الثالث : قال بعضهم : المقصود بالقتل إن أراد أن يستسلم جاز له ذلك ، وهكذا فعل عثمان رضي الله تعالى عنه . وقال النبي عليه الصلاة والسلام لمحمد بن مسلمة : " ألق كمك على وجهك وكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل " . الوجه الرابع : وجوب الدفع عن النفس أمر يجوز أن يختلف باختلاف الشرائع . وقال مجاهد : إن الدفع عن النفس ما كان مباحاً في ذلك الوقت . السؤال الثاني : لم جاء الشرط بلفظ الفعل ، والجزاء بلفظ اسم الفاعل ، وهو قوله * ( لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط ) * .