تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
ثم استأنف فصرح لهم بالأمر بالعدل تأكيداً وتشديداً ، ثم ذكر لهم علة الأمر بالعدل وهو قوله * ( هو أقرب للتقوى ) * ونظيره قوله * ( وأن تعفوا أقرب للتقوى ) * ( البقرة : 237 ) أي هو أقرب للتقوى ، وفيه وجهان ، الأول : هو أقرب إلى الاتقاء من معاصي الله تعالى ، والثاني : هو أقرب إلى الاتقاء من عذاب الله وفيه تنبيه عظيم على وجوب العدل مع الكفار الذين هم أعداء الله تعالى ، فما الظن بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياؤه وأحباؤه . ثم ذكر الكلام الذي يكون وعداً مع المطيعين ووعيداً للمذنبين وهو قوله تعالى : * ( واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ) * يعني أنه عالم بجميع المعلومات فلا يخفى عليه شيء من أْوالكم . ثم ذكر وعد المؤمنين فقال تعالى : * ( وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم ) * فالمغفرة إسقاط السيئات كما قال * ( فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ) * ( الفرقان : 70 ) والأجر العظيم إيصال الثواب ، وقوله * ( لهم مغفرة وأجر عظيم ) * فيه وجوه : الأول : أنه قال أولاً * ( وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) * فكأنه قيل : وأي شيء وعدهم ؟ فقال * ( لهم مغفرة وأجر عظيم ) * الثاني : التقدير كأنه قال : وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقال لهم مغفرة وأجرٌ عظيم ، والثالث : أجرى قوله * ( وعد ) * مجرى قال ، والتقدير : قال الله في الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم ، والرابع : أن يكون * ( وعد ) * واقعاً على جملة * ( لهم مغفرة وأجرٌ عظيم ) * أي وعدهم بهذا المجموع . فإن قيل : لم أخبر عن هذا الوعد مع أنه لو أخبر بالموعود به كان ذلك أقوى ؟ قلنا : بل الأخبار عن كون هذا الوعد وعد الله أقوى . وذلك لأنه أضاف هذا الوعد إلى الله تعالى فقال * ( وعد الله ) * والإله هو الذي يكون قادراً على جميع المقدورات عالماً بجميع المعلومات غنياً عن كل الحاجات ، وهذا يمتنع الخلف في وعده ، لأن دخول الخلف إنما يكون إما للجهل حيث ينسى وعده ، وإما للعجز حيث لا يقدر على الوفاء بوعده ، وإما للبخل حيث يمنعه البخل عن الوفاء بالوعد ، وإما للحاجة ، فإذا كان الإله هو الذي يكون منزّهاً عن كل هذه الوجوه كان دخول الخلف في وعده محالاً ، فكان الإخبار عن هذا الوعد أوكد وأقوى من نفس الأخبار عن الموعود به ، وأيضاً فلأن هذا الوعد يصل إليه قبل الموت فيفيده السرور عن سكرات الموت فتسهل بسببه