تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
لعباده والطيبات من الرزق ) * ( الأعراف : 32 ) وبقوله * ( ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ) * ( الأعراف : 157 ) . واعلم أن الطيب في اللغة هو المستلذ ، والحلال المأذون فيه يسمى أيضاً طيباً تشبيهاً بما هو مستلذ ، لأنهما اجتمعا في انتفاء المضرة ، فلا يمكن أن يكون المراد بالطيبات هاهنا المحللات ، وإلا لصار تقدير الآية : قل أحل لكم المحللات ، ومعلوم أن هذا ركيك ، فوجب حمل الطيبات على المستلذ المشتهى ، فصار التقدير : أحل لكم كل ما يستلذ ويشتهى . ثم اعلم أن العبرة في الاستلذاذ والاستطابة بأهل المروءة والأخلاق الجميلة ، فإن أهل البادية يستطيبون أكل جميع الحيوانات ، ويتأكد دلالة هذه الآيات بقوله تعالى : * ( خلق لكم ما في الأرض جميعاً ) * ( البقرة : 29 ) فهذا يقتضي التمكن من الانتفاع بكل ما في الأرض ، إلا أنه أدخل التخصيص في ذلك العموم فقال * ( ويحرم عليهم الخبائث ) * ( الأعراف ؛ 157 ) ونص في هذه الآيات الكثيرة على إباحة المستلذات والطيبات فصار هذا أصلاً كبيراً ، وقانون مرجوعاً إليه في معرفة ما يحل ويحرم من الأطعمة ، منها أن لحم الخيل مباح عند الشافعي رحمه الله . وقال أبو حنيفة رحمه الله ليس بمباح . حجة الشافعي رحمه الله أنه مستلذ مستطاب ، والعلم به ضروري ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون حلالاً لقوله * ( أحل لكم الطيبات ) * ومنها أن متروك التسمية عند الشافعي رحمه الله مباح ، وعند أبي حنيفة حرام ، حجة الشافعي رحمه الله أنه مستطاب مستلذ ، فوجب أن يحل لقوله * ( أحل لكم الطيبات ) * ويدل أيضاً على صحة قول الشافعي رحمه الله في هاتين المسألتين قوله تعالى : * ( إلا ما ذكيتم ) * استثنى المذكاة بما بيّن اللبة والصدر ، وقد حصل ذلك في الخيل ، فوجب أن تكون مذكاة ، فوجب أن تحل لعموم قوله * ( إلا ما ذكيتم ) * . ( المائدة : 3 ) وأما في متروك التسمية فالذكاة أيضاً حاصلة لأنا أجمعنا على أنه لو ترك التسمية ناسياً فهي مذكاة ، وذلك يدل على أن ذكر الله تعالى باللسان ليس جزءاً من ماهية الذكاة ، وإذا كان كذلك كان الإتيان بالذكاة بدون الإتيان بالتسمية ممكناً ، فنحن مثلكم فيما إذا وجد ذلك ، وإذا حصلت الذكاة دخل تحت قوله * ( إلا ما ذكيتم ) * ومنها أن لحم الحمر الأهلية مباح عند مالك وعند بشر المريسي وقد احتجا بهاتين الآيتين ، إلا أنا نعتمد في تحريم ذلك على ما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه حرم لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر . ثم قال تعالى : * ( وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : في هذه الآية قولان : الأول : أن فيها إضماراً ، والتقدير أحل لكم الطيبات وصيد ما علمتم من الجوارح مكلبين ، فحذف الصيد وهو مراد في الكلام لدلالة الباقي عليه ، وهو