تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
النوع الثاني : من الاستثناء قوله تعالى : * ( غير محلي الصيد وأنتم حرم ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : أنه تعالى لما أحل بهيمة الأنعام ذكر الفرق بين صيدها وغير صيدها ، فعرفنا أن ما كان منها صيداً ، فإنه حلال في الإحلال فون الإحرام ، وما لم يكن صيداً فإنه حلال في الحالين جميعاً والله أعلم . المسألة الثانية : قوله * ( وأنتم حرم ) * أي محرمون أي داخلون في الإحرام بالحج والعمرة أو أحدهما ، يقال : أحرم بالحج والعمرة فهو محرم وحرم ، كما يقال : أجنب فهو مجنب وجنب ، ويستوي فيه الواحد والجمع ، يقال قوم حرم كما يقال قوم جنب . قال تعالى : * ( وأن كنتم جنباً فاطهروا ) * ( المائدة : 65 ) . وأعلم أنا إذا قلنا : أحرم الرجل فله معنيان : الأول : هذا ، والثاني : أنه دخل الحرم فقوله * ( وأنتم حرم ) * يشتمل على الوجهين ، فيحرم الصيد على من كان في الحرم كما يحرم على من كان محرماً بالحج أو العمرة ، وهو قول الفقهاء . المسألة الثالثة : أعلم أن ظاهر لآية يقتضي أن لصيد حرام على المحرم ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : * ( وإذا حللتم فاصطادوا ) * فإن * ( إذا ) * للشرط ، والمعلق بكلمة الشرط على الشيء عدم عند عدم ذلك الشيء ، إلا أنه تعالى بيّن في آية أخرى أن المحرم على المحرم إنما هو صيد البر لا صيد البحر ، قال تعالى : * ( أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً ) * ( المائدة : 96 ) فصارت هذه الآية بياناً لتلك الآيات المطلقة . المسألة الرابعة : انتصب * ( غير ) * على الحال من قوله * ( أحلت لكم ) * كما تقول : أحل لكم الطعام غير معتدين فيه . قال الفرّاء : هو مثل قولك : أحل لك الشيء لا مفرطاً فيه ولا متعدياً ، والمعنى أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا أن تحلوا الصيد في حال الإحرام فإنه لا يحل لكم ذلك إذ كنتم محرمين . ثم قال تعالى : * ( إن الله يحكم ما يريد ) * والمعنى أنه تعالى أباح الأنعام في جميع الأحوال ، وأباح الصيد في بعض الأحوال دون بعض ، فلو قال قائل : ما السبب في هذا التفصيل والتخصيص كان جوابه أي يقال : أنه تعالى مالك الأشياء وخالقها فلم يكن على حكمه اعتراض بوجه من الوجوه ، وهذا هو الذي يقوله أصحابنا أن علة حسن التكليف هي الربوبية والعبودية لا ما يقوله المعتزلة من رعاية المصالح .