قلت : وبالجملة ، فالرجل عندي صحيح الاعتقاد ، سئ العمل ، فقد
خذل الحسين - عليه السلام - كما سمعت - فقال له ما قال ، ثم فعل يوم
المختار ما فعل ، ثم أخذ يتأسف ويتلهف نعوذ بالله من الخذلان .
والعجب من النجاشي - رحمه الله - كيف يعد هذا الرجل من سلفنا
الصالح ، ويعتني به ، ويصدر كتابه بذكره ، مع هذا ؟ .
وإني لأرجو من حنو الحسين - عليه السلام - وتعطفه عليه ، وأمره
بالفرار حتى لا يسمع الواعية فيكبه الله على منخريه في النار - أن يكون
شفيعه إلى الله يوم القرار . هذا مع ما لحقه من شدة الأسف ، والحزن
والندم على ما فات منه وسلف ، والله أعلم بحقيقة حاله ومآله .
عثمان بن حنيف الأنصاري . أبو عمرو ، وأخو سهل ( 1 ) عامل
أمير المؤمنين - عليه السلام - على البصرة قبل ( الجمل ) صحابي مشهور ،
هامش
( 1 ) راجع : ترجمة لسهل ( ص 21 ) من هذا الجزء مع تعليقتنا في الهامش ،
وعثمان - هذا - هو ابن حنيف بن واهب بن العكيم بن ثعلبة بن الحرث بن مجدعة
ابن عمرو بن حبيش بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن أوس الأنصاري ، يكنى
أبا عمرو ، وقيل أبا عبد الله .
ترجم له ابن عبد البر في الاستيعاب ( ج 3 ص 89 ) بهامش الإصابة
طبع مصر وقال : ( عمل لعمر ، ثم لعلي - رضي الله عنه - مساحة الأرضين
وجبايتها ، وضرب الخراج والجزية على أهلها ، وولاه علي - رضي الله عنه - البصرة
فأخرجه طلحة والزبير حين قدما البصرة ، فكانت وقعة الجمل . . . ذكر العلماء
بالأثر والخبر : أن عمر بن الخطاب استشار الصحابة في رجل يوجهه إلى العراق
فأجمعوا جميعا على عثمان بن حنيف وقالوا : إن تبعثه على أهم من ذلك فان له بصرا
وعقلا ومعرفة وتجربة ، فأسرع عمر إليه فولاه مساحة أرض العراق ، فضرب
عثمان - رضي الله عنه - على كل جريب من الأرض يناله الماء غامرا وعامرا درهما
وقفيزا ، فبلغت جباية سواد الكوفة - قبل أن يموت عمر بعام - مائة الف الف ونيفا
ونال عثمان بن حنيف في نزول عسكر طلحة والزبير البصرة ما زاد في فضله ، ثم
سكن عثمان بن حنيف الكوفة وبقي إلى زمان معاوية ) .
وذكره أيضا ابن الأثير الجزري في أسد الغابة ( ج 3 ص 371 ) وقال :
( شهد أحدا والمشاهد بعدها . . . استعمله علي - رضي الله عنه - على البصرة فبقي
عليها إلى أن قدمها طلحة والزبير مع عائشة في نوبة وقعة الجمل فأخرجوه منها ، ثم
قدم علي إليها فكانت وقعة الجمل فلما ظفر بهم علي استعمل على البصرة عبد الله
ابن عباس وسكن عثمان بن حنيف الكوفة وبقي إلى زمان معاوية ، روى عنه
أبو أمامة ابن أخيه سهل بن حنيف ، وابنه عبد الرحمن بن عثمان ، وهانئ بن معاوية
الصدفي . . . ) .
ومثله ما ذكره ابن حجر العسقلاني في الإصابة ( ج 2 ص 459 ) طبع مصر
بهامشه الاستيعاب سنة 1328 ه ، وفي تهذيب التهذيب - ( ج 7 ص 112 ) طبع حيدر آباد
دكن - بعد أن ترجم له قال : ( روى عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وروى
عنه ابن أخيه أبو أمامة بن سهل ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، وعمارة بن خزيمة
ابن ثابت ، ونوفل بن مساحق ، وهانئ بن معاوية الصدفي . . . ) .
وترجم له ترجمة مفصلة السيد علي خان المدني في ( الدرجات الرفيعة : ص 381 )
طبع النجف الأشرف سنة 1381 ، قال : ( وسكن عثمان بن حنيف الكوفة بعد
وفاة علي - عليه السلام - ومات بها في زمن معاوية ) .
وذكره الشيخ الطوسي في رجاله في باب أصحاب علي - عليه السلام -
( ص 47 برقم 11 ) ولم يزد على قوله : ( عثمان بن حنيف الأنصاري ، عربي )
وترجم له العلامة الحلي في الخلاصة ( ص 125 برقم 1 ) طبع النجف الأشرف
وقال : ( . . . من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين - عليه السلام - ، قاله
الفضل بن شاذان ) .
وذكره ابن الأثير الجزري في حوادث سنة 36 ه من تاريخه الكامل ، ومما
قال : ( وكان على البصرة عند قدومها - أي قدوم عائشة - عثمان بن حنيف فقال
لهم : ما نقمتم على صاحبكم ؟ فقالوا : لم نره أولى بها منا وقد صنع ما صنع ، قال :
فان الرجل أمرني فأكتب إليه فأعلمه ما جئتم به على أن أصلي أنا بالناس حتى يأتينا
كتابه ، فوقفوا عنه ، فكتب فلم يلبث إلا يومين أو ثلاثة حتى وثبوا على عثمان عند
مدينة الرزق فظفروا به وأرادوا قتله ثم خشوا غضب الأنصار ، فنتفوا شعر رأسه
ولحيته وحاجبيه وضربوه وحبسوه . . . وبلغ حكيم بن جبلة ما صنع بعثمان بن حنيف
فقال : لست أخاف الله إن لم أنصره ، فجاء في جماعة من عبد القيس ومن تبعه من
ربيعة وتوجه نحو دار الرزق فقال له عبد الله : مالك يا حكيم ؟ قال : نريد أن
نرتزق من هذا الطعام وأن تخلوا عثمان فيقيم في دار الامارة - على ما كتبتم بينكم -
حتى يقدم علي . . . ولما قتل حكيم أرادوا قتل عثمان بن حنيف ، فقال لهم : أما إن
سهلا بالمدينة فان قتلتموني انتصر ، فخلوا سبيله فقصد عليا . . . فلما انتهى علي إلى
ذي قار أتاه فيها عثمان بن حنيف وليس في وجهه شعرة ، وقبل أتاه بالربذة . . .
فقال : يا أمير المؤمنين بعثتني ذا لحية وقد جئتك أمرد ، فقال : أصبحت أجرا
وخيرا . . . ) .
وترجم له أيضا صفي الدين الخزرجي في خلاصة تذهيب تهذيب الكمال
( ص 119 ) طبع مصر سنة 1322 ه .