المعروف بالخلد ( 1 ) ، وحشر الناس من الآفاق ، وفرق فيهم من الأموال أمر عظيم ،
فكانت الدنانير تجعل في جامات ( 2 ) فضة ، والدراهم في جامات ذهب ، ونوافج ( 3 ) المسك
وجماجم ( 4 ) العنبر والغالية في بواطي زجاج ، ويفرق ذلك على الناس ويخلع عليهم خلع
الوشي المنسوجة ، وأوقد بين يديه في تلك الليلة شمع العنبر في أتوار ( 5 ) الذهب .
وأحضر نساء بني هاشم ، وكان يدفع إلى كل واحدة منهن كيس فيه دنانير
وكيس فيه دراهم ، وصينية كبيرة فضة فيها طيب ، ويخلع عليها خلعة وشئ مثقل ،
فلم ير في الاسلام مثلها ، وبلغت النفقة في هذا العرس من بيت المال الخاصة سوى
ما أنفقه الرشيد من ماله خمسين ألف ألف درهم .
واسم زبيدة أمة العزيز ، وزبيدة لقب ، وكان أبو جعفر يرقصها ( 6 ) ، وهي صغيرة
وكانت سمينة ويقول : ما أنت إلا زبيدة ، ما أنت إلا زبيدة فمضى عليها هذا الاسم .
ومنها : عرس ( 7 ) المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل ، بفم الصلح ، وكانت النفقة
عليه أمرا عظيما . وسأل المأمون زبيدة عن تقدير النفقة في العرس ، فقالت : ما بين
خمسة وثلاثين ألف ألف إلى سبعة وثلاثين ألف ألف ، فبلغ الحسن بن سهل
هامش
( 1 ) الخلد : قصر بناه المنصور ببغداد بعد فراغه من مدينته على شاطئ دجلة ، في سنة 159 ه " معجم
البلدان 2 : 459 والمراصد 1 : 362 "
( 2 ) الجامات : واحدها الجام ، بمعنى الكأس .
( 3 ) النوافج : واحدتها النافجة ، وعاء المسك .
( 4 ) الجماجم : واحدتها الجمجمة ، قدح من خشب ( النهاية لابن الأثير 1 : 178 ) .
( 5 ) الاتوار : واحدتها التور ( بالتاء المثناة من فوقها ) : إناء كالإجانة يصنع من صفر أو مجارة ( النهاية لابن
الأثير : 1 : 120 ) .
( 6 ) الأغاني ( 9 : 97 ) ، وتاريخ بغداد للخطيب ( 14 : 433 ) ، وزهر الآداب ( 2 : 236 ) ، والشريشي
( 2 : 245 ) .
( 7 ) اشتهر خبر هذا العرس كثيرا في كتب الأدب والتاريخ ( تاريخ الطبري 3 : 1081 - 1084 ، وثمار
القلوب ص 130 - 131 ، ولطائف المعارف ص 73 ، وتاريخ بغداد للخطيب 7 : 321 ، والوفيات
1 : 130 - 132 ، والبداية والنهاية 11 : 49 - 50 ، ومقدمة ابن خلدون 1 : 311 طبعة باريس ،
والصبوح والغبوق ص 99 - 100 ) .