وإن قسط علي بن أبي طالب من الذوق الفني ، أو الحس الجمالي ، لمما يندر وجوده ،
وذوقه هذا كان المقياس الطبيعي الضابط للطبع الأدبي عنده . أما طبعه هذا فهو طبع ذوي
الموهبة والأصالة الذين يرون فيشعرون ويدركون فتنطلق ألسنتهم بما تجيش به قلوبهم
وتنكشف عنه مداركهم انطلاقا عفويا . لذلك تميز أدب علي بالصدق كما تميزت به حياته .
وما الصدق إلا ميزة الفن الأولى ومقياس الأسلوب الذي لا يخادع .
وإن شروط البلاغة ، التي هي موافقة الكلام لمقتضى الحال ، لم تجتمع لأديب عربي كما
اجتمعت لعلي بن أبي طالب . فإنشاؤه مثل أعلى لهذه البلاغة ، بعد القرآن . فهو موجز
على وضوح ، قوي جياش ، تام الانسجام لما بين ألفاظه ومعانيه وأغراضه من إئتلاف ،
حلو الرنة في الأذن موسيقي الوقع . وهو يرفق ويلين في المواقف التي لا تستدعي الشدة .
ويشتد ويعنف في غيرها من المواقف ، ولا سيما ساعة يكون القول في المنافقين والمراوغين
وطلاب الدنيا على حساب الفقراء والمستضعفين وأصحاب الحقوق المهدورة . فأسلوب علي
صريح كقلبه وذهنه ، صادق كطويته ، فلا عجب أن يكون نهجا للبلاغة .
وقد بلغ أسلوب علي من الصدق حدا ترفع به حتى السجع عن الصنعة والتكلف .
فإذا هو على كثرة ما فيه من الجمل المتقاطعة الموزونة المسجعة ، أبعد ما يكون عن الصنعة ،
وأقرب ما يكون من الطبع الزاخر .
فانظر إلى هذا الكلام المسجع وإلى مقدار ما فيه من سلامة الطبع : ( يعلم عجيج الوحوش
في الفلوات ، ومعاصي العباد في الخلوات ، واختلاف النينان في البحار الغامرات ، وتلاطم
الماء بالرياح العاصفات ! ) أو إلى هذا القول من إحدى خطبه : ( وكذلك السماء والهواء ،
والرياح والماء ، فانظر إلى الشمس والقمر ، والنبات والشجر ، والماء والحجر ، واختلاف
هذا الليل والنهار ، وتفجر هذه البحار ، وكثرة الجبال ، وطول هذه القلال ، وتفرق
هذه اللغات ، والألسن المختلفات الخ . . ) وأوصيك خيرا بهذا السجع الجاري مع الطبع :
( ثم زينها بزينة الكواكب ، وضياء الثواقب ( 1 ) وأجرى فيها سراجا مستطيرا ( 2 ) وقمرا
هامش
1 - الثواقب : المنيرة المشرقة .
2 - سراجا مستطيرا : منتشر الضياء . ويريد به الشمس .