تقدير دلالة تلك الأخبار السابقة على الاذن في المخالفة القطعية معارض لها .
ويمكن مساعدة هذا الخبر في مقام الترجيح من حيث كونه أحوط وموافقا للمشهور .
إلَّا أن يقال : إنّ معنى الحديث أنّ الناس في سعة ما لم يعلموا التكليف الفعلي وهم متحيّرون ، مفهومه حينئذ انّهم إذا علموا التكليف الفعلي فهم ليسوا في السعة ، ولا ريب انه إذا ثبت بالدليل الشرعي أنّ الحكم المعلوم بالإجمال لا يكون منجّزا وانما ينجّز بعد العلم بالتفصيل ، فعلم أنّ الحكم المعلوم بالإجمال لا يكون فعليّا فلم يحصل العلم بالتكليف الفعلي الذي أوجب معه الاحتياط مفهوم تلك الرواية فتأمّل .
وممّا يستدلّ به أيضا على الاذن مع الجهل بشخص الحرام : رواية حنّان بن سدير أنه قال : سئل أبو عبد اللَّه عليه السّلام وأنا حاضر عن جدي يرضع من خنزيرة حتى كبر واشتدّ عظمه ثمَّ انّ رجلا استفحله في غنمه فأخرج له نسل ، فقال عليه السّلام : أمّا ما عرفت من نسله بعينه فلا تقربنّه ، وأمّا ما لم تعرفه فكله ، فهو بمنزلة الجبن ولا تسأل عنه « 1 » .
وفي خبر بشر عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام في جدي يرضع من خنزيرة ثمَّ ضرب في الغنم فقال : هو بمنزلة الجبن فما عرفت أنّه من خنزيرة فلا تأكله وما لم تعرفه فكله « 2 » .
فإنّهما بإطلاقهما يدلَّان على أنّ كلّ ما لم يعلم حرمته - وإن علم إجمالا حرمة أحد الأمرين اللذين هو أحدهما - يكون حلالا ، ويكون جائز الأكل .
والجواب عنهما : بأنّ الظاهر منهما الاذن في المشتبه عند دوران الأمر بين الأقل والأكثر ، فإنّ قوله عليه السّلام « أمّا ما عرفت من نسله » وقوله عليه السّلام « فما عرفت انه من خنزيرة » في الخبر الأخير يقتضي وجود حرام معروف ، ويكون الشك
هامش
« 1 » الكافي : ج 6 ص 249 ح 1 مع اختلاف فيه .
« 2 » الكافي : ج 6 ص 250 ح 2 مع اختلاف فيه .