للعباد ببعث الحجج وبيانهم خفي ذلك بإخفاء الظالمين وكتمانهم الحق موضوعا عن العباد ، فهو دالّ على وضع ما لم يكن من قبل اللَّه طريق إلى معرفته ولم يبيّنه الحجج وكانوا يخفونه عن العباد ، فهو حينئذ نظير المروي عن أمير المؤمنين عليه السّلام : انّ اللَّه حدّ حدودا فلا تعتدوها ، وفرض فرائض فلا تعصوها ، وسكت عن أشياء لم يسكت عنها نسيانا فلا تكلَّفوها ، رحمة من اللَّه لكم « 1 » .
لا يقال : الوضع نظير الرفع في ظهوره في إعدام ما هو ثابت وموجود ، ولا وضع فيما لا طريق إليه أصلا ، إذ هو موضوع بحكم العقل ، وليس ما يقتضي ثبوته موجودا حتى يكون نفيه وضعا ورفعا فهو يقتضي أن يكون المراد ممّا حجب اللَّه أعم من ذلك .
لأنّا نقول : مع أنّ ظهور الوضع في ذلك ليس كظهور الرفع ، أنّ المراد من الوضع عدم الإثبات بجعل الطريق إليه مع كون المقتضي للإثبات موجودا ، لأجل التسهيل على العباد والرحمة بهم ، كما هو المقتضى الخبر الثاني ، أو مطلق عدم الإثبات بقرينة قوله عليه السّلام ما حجب اللَّه علمه عن العباد ، وكون هذا قرينة على التصرّف في ما حجب اللَّه ، ليس بأولى من كونه قرينة على التصرّف في ذلك ، بل هذا أولى ، لقوة ظهور قوله ما حجب اللَّه فيما ذكرنا .
والحاصل : أنّ المراد من الوضع أحد المعنيين ، وليس ظهوره في رفع ما يكون مقتضى الأدلَّة ثبوته قابلا للمعارضة مع ظهور قوله : ما حجب اللَّه علمه فيما لا طريق اليه ، بحيث يصير قرينة على إرادة خلاف ظاهره منه .
وقوله عليه السّلام : الناس في سعة ما لا يعلمون « 2 » .
وجه الدلالة : أنّ « ما » أمّا موصولة أضيف إليه السعة ، أو مصدرية زمانية ، وعلى التقديرين يثبت المطلوب ، فانّ معناه على الأوّل : أنّ الناس في سعة كلّ شيء لا يعلمونه ، فيدلّ على أنّ الحكم المجهول يكون الجاهل به في سعة ، وعلى الثاني
هامش
« 1 » وسائل الشيعة : ب 12 من أبواب صفات القاضي ح 61 ج 18 ص 129 وفيه « فلا تنقصوها » .
« 2 » المحاسن : ص 452 وفيه : « ما لم يعلموا » .