بطانة الحاكم ومشيريه أقوى عليه تأثيرا ، وأدنى إليه حظوة ، وأعلم بما يكرهه وبما
يرضيه فلا عجب إن استطاعوا - بالملق أو طيب الثناء - أن يقودوه كيف يشاءون . .
لذلك حذر عماله مغبة هذا الانقياد ، وأمرهم أن يدقق كل في اختيار المشيرين
والأعوان :
يقول : " استعملهم اختبارا ولا تولهم محاباة . ورضهم على ألا يطروك ، فإن كثرة
الإطراء تحدث الزهو ، وتدني من الغرة . . وليكن آثرهم عندك أقولهم بمر الحق . . " .
ويطول بي الحديث لو استطردت إلى ما تفصح عنه سيرة أمير المؤمنين من
سياسة جهد بها لترويض الناس ، وتطويع الأحداث . . يطول بي إلى مدى ما له
حدود أو هو جد بعيد .
فلعل الأخ الأستاذ الدكتور نوري جعفر يغفر لي هذا التقصير .
إن بيدي الآن كتابه الجليل : " فلسفة الحكم عند الإمام " الذي أودعه خلاصة
قيمة لهذه الفلسفة التي بزت غيرها من فلسفات ، وسبقت بمبادئها القويمة كل ما ارتآه
الأقدمون والمعاصرون . .
وإذا كان الصديق الفاضل السيد مرتضى الرضوي قد شاء لي أن أدبج كلمة
تتصدر الكتاب ، فالكتاب ، في رأيي غني عن التصدير والتقديم بمادته وبجهد مؤلفه ،
وقدرته الفائقة على الغوص في السيرة العلوية لالتقاط الدرر ، باستخلاصها من
الأصداف .
على أن يروق لي أن أختم هذه السطور بعبارة موجزة جرت على لسان أمير
المؤمنين فإذا هي تتحدى بمضمونها كل ما استنبط الفلاسفة وذوو الآراء من مبادي
الإصلاح حال الشعوب ، ومداواة ما تعوزه الطبقية من عدالات .
قال الإمام : " لكل على الوالي بقدر ما يصلحه " .
مع رجال الفكر — صفحة 151
مساهمون: السيد مرتضى الرضوي
ص١٥١