وفي تاريخ بغداد : قال أبو العيناء : كان سبب تحوّلي من البصرة أنّي رأيت
غلاماً ينادى عليه ثلاثين ديناراً يساوي ثلاثمائة دينار ، فاشتريته وكنت أبني داراً ،
فأعطيته عشرين ديناراً لينفقها على الصنّاع ، فأنفق عشرة واشترى بعشرة ملبوساً
له ; فقلت له : ما هذا ؟ فقال : لا تعجل ، فانّ أرباب المروّات لا يعتبون على غلمانهم
هذا . فقلت في نفسي : أنا اشتريت الأصمعي ولم أدر ! قال : وأردت أن أتزوّج امرأة
سرّاً من بنت عمّي ، فاستكتمته فدفعت إليه ديناراً لشراء حوائج وسمك هازبي ،
فاشترى غيره فغاظني ، فقال : بقراط يذمّ الهازبي ، فقلت : يا ابن الفاعلة لم أعلم أنّي
اشتريت جالينوس ! فضربته عشر مقارع ، فأخذني وضربني سبعاً وقال : يا مولاي
الأدب ثلاث ، ضربتك سبعاً قصاصاً . قال : فضربته فرميته فشججته ، فذهب إلى
بنت عمّي وقال : الدين النصيحة ، ومن غشّنا فليس منّا ، إنّ مولاي قد تزوّج
واستكتمني ، فقلت : لا بدّ من تعريف مولاتي الخبر ، فشجّني وضربني ; فمنعتني بنت
عمّى من دخول الدار وحالت بيني وبين ما فيها ، وما زالت كذلك حتّى طلّقتُ المرأة ،
وسمّته بنت عمّي الغلام الناصح ، فلم يمكني أن أُكلّمه . فقلت : أعتق هذا وأستريح ، فلمّا
أعتقته لزمني وقال : الآن وجب حقّك عليّ . ثمّ إنّه أراد الحجّ فزوّدته فغاب عشرين
يوماً ورجع وقال : قطع الطريق ورأيت حقّك . ثمّ أراد الغزو فجهّزته ، فلمّا غاب بعت
مالي بالبصرة وخرجت عنها خوفاً أن يرجع ( 1 ) .
هذا ، وأبو العيناء كان أعمى . وقال الحموي : كان جدّ أبي العيناء الأكبر لقي
عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) فأساء المخاطبة بينه وبينه ، فدعا عليه بالعمى له ولولده من
بعده ، فكلّ من عمي من ولد جدّ أبي العيناء فهو صحيح النسب فيهم ( 2 ) .
وأما تكنيته بأبي العيناء ، ففي تاريخ بغداد : سئل عنها ، فقال : قلت لأبي زيد
الأنصاري : كيف تصغّر عيناً ؟ فقال : « عيينا » يا أبا العيناء ، فلحقت بي منذ ذاك .
وفيه : قرأت بخطّ الدارقطني : مات أبو العيناء سنة 282 وكان خرج من بغداد
يريد البصرة في سفينة فيها ثمانون نفساً ، فغرقت فما سلم منها غيره ، فلمّا صار إلى
هامش
( 1 ) تاريخ بغداد : 3 / 177 .
( 2 ) معجم الاُدباء : 18 / 289 .