التصرفات ، فبقاء سلطنة المالك وإباحة المباح له في التصرف غير متنافيين ، فضلا
عن كون أحدهما دافعا لموضوع الآخر .
وإن أريد منها محجورية الغير عن التصرف في المال - التي تكون من لوازم
السلطنة لا نفسها - فلا يجري فيها الاستصحاب ، فإن المفروض أن المباح له لم
يكن محجورا في التصرف . نعم ، استصحاب الجواز في المقام جار ، فإنه قبل زمان
الشك يعلم بوجوده بالاجماع فيستصحب ، وهذا حاكم على استصحاب الإباحة ،
فإن معنى الجواز زوال الملك على تقدير الرجوع ، فتزول الإباحة بالرجوع ( 1 ) .
هذا ، وفيه : أنه ليس معنى السلطنة تمامها القدرة على التصرفات فقط ، بل
هي مع القدرة على منع الغير عن التصرف في ماله . قام الاجماع على جواز تصرف
المباح له في مال المالك من دون رجوع وأما مع الرجوع بعد ظرف الشك فلا يعلم
بارتفاع تمام السلطنة فيستصحب .
وبعبارة أخرى : قبل زمان الشك كان المالك قادرا على منع الغير ومن الغير
المباح له ، والآن كما كان ، وهذا معنى استصحاب السلطنة . وأما استصحاب الجواز
فقد تقدم الكلام فيه وقلنا بأن الزوال عند الرجوع من الأحكام العقلية والعقلائية
للجواز لا نفسه ( 2 ) فلا يثبت باستصحاب الجواز تأثير الرجوع وزوال الإباحة ( 3 ) .
هامش
1 - حاشية المكاسب ، الأصفهاني 1 : 49 / سطر 21 .
2 - تقدم في الصفحة 165 .
3 - فتحصل مما أفاده - مد ظله - : أنه - مع قطع النظر عن التقريبات السابقة لاثبات اللزوم -
مقتضى القاعدة التمسك بإطلاق دليل السلطنة ، ومع قطع النظر عن ذلك استصحاب بقاء
السلطنة يعارض باستصحاب بقاء الإباحة .
وليعلم أن شيئا من التقريبات السابقة لا يتم ، فإن مضمون العقد ليس إلا الملكية ، ومن آثار
الملكية جواز تصرف من انتقل إليه المال فيه ، وليس هذا من آثار العقد ، والمفروض أن القصد
أيضا متعلق بحصول الملكية ، فمضمون العقد - وهو المقصود في المعاطاة ، أعني الملكية -
غير واقع بالاجماع ، والتفكيك بين الملكية ولوازمها لغو محض ، لأنه لا معنى للتعبد بعدم
الملك مع بقاء لوازمه ، فلا بد إما من القول بالإباحة المالكية من جهة رضاه بجواز التصرفات ،
أو القول بالإباحة الشرعية من جهة حكم الشارع بها مترتبة على المعاطاة وإن لم يقع
مضمونها واقعا ، أما الأخير فلا دليل عليه ، ولا يمكن التمسك بها بأصالة اللزوم ، وأما الأول
فالرضا الفعلي ليس إلا الرضا المعاملي ، والمفروض عدم وقوع المعاملة ، والرضا التقديري لا
أثر له ، مضافا إلى أنه يختلف بحسب الموارد . ولا يمكن إثبات اللزوم بأدلة اللزوم في مورد
الرضا التقديري ، وهذا ظاهر ، فشئ من هذه التقريبات لا يتم .
وأما دليل السلطنة فدلالته ظاهرة ، ومع قطع النظر عن ذلك يمكن استصحاب بقاء السلطنة
أيضا ، فإن المفروض أن المالك قبل ظرف الشك كان مسلطا على الرجوع ، والآن كما كان .
وتوهم : أن هذا لا يثبت الزوال عند الرجوع ، فإنه من الأصل المثبت .
مدفوع : بأن الزوال عند الرجوع حكم عقلائي ، وليس موضوع الحكم عندهم نفس الجواز
واقعا ، بل يعم الواقع والظاهر ، نظير حكم العقل بلزوم الامتثال في موارد استصحاب الأحكام ،
فمع التعبد بتسلط المالك على الرجوع يحكم العقلاء بالزوال عند الرجوع ، لأن موضوع
حكمهم - وهو التعبد بالتسلط أو الجواز - محرز بالوجدان ، فافهم . فاستصحاب السلطنة
حاكم على استصحاب الإباحة بالتقريب المتقدم ، ومن هنا ظهرت تمامية ما ذكره الشيخ ( رحمه الله )
من حكومة استصحاب السلطنة على استصحاب الإباحة ( المكاسب : 91 / سطر 1 ) ،
وتمامية ما ذكره المحقق الأصفهاني ( رحمه الله ) أيضا من حكومة استصحاب الجواز على استصحاب
الإباحة ( حاشية المكاسب ، الأصفهاني 1 : 49 / سطر 29 ) .
فالنتيجة : جواز المعاطاة على تقدير الإباحة حتى بعد عروض ما يوجب الشك فيه ، فإن
الكلام في الملزمات بعد تسليم قيام الاجماع على الجواز والإباحة .
بقي الكلام في الفارق بين هذه المسألة وما سبق من المصنف ( قدس سره ) ، أي المعاطاة المقصود بها
الإباحة : حيث ذكر في تلك المسألة أن الأقوى اللزوم ، وبنى على الجواز هنا لقاعدة السلطنة ،
أو إباحتها مع جريان هذه القاعدة في السابقة أيضا ، وقد اعترض المرحوم النائيني ( رحمه الله ) على
المصنف بذلك ( منية الطالب 1 : 82 - 83 ) ، والفرق بين المسألتين واضح ، فإن - في تلك
المسألة - المفروض أن المقصود بالمعاطاة الإباحة ، فعمومات لزوم العقد جارية فيها ، فيثبت
اللزوم شرعا ، ومعه لا مجال للتمسك بدليل السلطنة ، بخلاف المقام ، فإن المقصود بها الملك
ولم يقع ، وما وقع حكم جديد يثبت بالاجماع أو دليل آخر غير مرتبط بالعقد ومضمونه ، فإنه إما
مستند إلى الرضا التقديري بناء على كونه مالكيا ، أو حكم الشارع به بناء على كونه شرعيا ،
وشئ من الأمرين غير مرتبط بالعقد ، فإن الرضا الموجود فيها ليس إلا الرضا المعاملي ، وقد
ألغاه الشارع عن التأثير ، فالعمومات غير جارية في المقام ، واستصحاب بقاء الإباحة قد
عرفت ما فيه ، فلم يبق إلا استصحاب بقاء السلطنة على الرجوع ، أو استصحاب الجواز على
التقدير المتقدم . فالاعتراض المذكور غير وارد على المصنف . والحمد لله رب العالمين . المقرر
حفظه الله .