وعلى أي حال فقد أشرنا إلى أن الحديث ضعيف السند .
الوجه الثاني - ما ذكره أيضا المحقق العراقي ( رحمه الله ) وهذا الإشكال يرجع إلى
علم القاضي غير المعصوم - : وهو أنه بعد تمامية دلالة تلك الآيات والروايات ، أو
خصوص رواية ( قضى بالحق وهو يعلم ) على كون الواقع موضوعا للقضاء ، فهذا
وإن كان لازمه حجية علم القاضي لنفسه لإثبات جواز القضاء بما علم بحقانيته ،
ولكن هذا المقدار لا يثبت ما هو الظاهر من كلمات من جعل العلم ميزانا في قبال
البينة واليمين ، من أن العلم - كالبينة واليمين - يوجب فصل الخصومة بحيث لا تقبل
إقامة الدعوى والبينة مرة أخرى على خلاف ما قضى به القاضي .
توضيح ذلك : أن البينة حجة تثبت المدعى لدى الشك لكل أحد ، وحجيتها
تعبدية لا وجدانية خاصة بشخص دون آخر ، فلو حكم القاضي وفقها فقد قامت
الحجة وانتهت الخصومة ، وليس لشخص آخر يشك في مطابقة حكم القاضي الأول
للواقع أن ينظر مرة أخرى في الدعوى ، يطالب ببينة أو يمين . أما العلم فحجيته
خاصة بالعالم ، أما الشخص الآخر الذي يشك في مطابقة علم القاضي للواقع فقد
شك في موضوع القضاء الذي قضى به ذاك الحاكم وهو الواقع ، ولا حجة له تثبت
الواقع تعبدا ، إذن من حقه أن ينظر مرة أخرى في دعوى من يدعي عدم مطابقة
حكم الحاكم الأول للواقع وعدم تمامية موضوع جواز القضاء وهو الواقع ، ويسمع
البينات والأيمان ، فصح القول بأن العلم ليس ميزانا للقضاء كالبينة واليمين ، فالبينة
واليمين يخصمان النزاع وينهيانه بخلاف العلم .
صحيح أنه مع الشك في مطابقة علم القاضي للواقع وبالتالي في صحة قضائه
تجري أصالة الصحة ، كما أنه مع الشك - في كون القاضي قد قضى حقا وفق نظام
البينات والأيمان أو لا - تجري أصالة الصحة ، لكن أصالة الصحة لا تمنع عن سماع
دعوى من يخالف الأصل والنظر لمعرفة أن لديه دليلا على خلاف الأصل أو لا .
القضاء في الفقه الإسلامي — صفحة 209
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٢٠٩