ذكر موسى وهارون في الناس على هذه الصفة الجميلة ، أفزعه ذلك ، ورأى
أمرا بهره ، وأعمى بصيرته وبصره ، وكان فيه كيد ومكر وخداع ، وصنعة
بليغة في الصد عن سبيل الله ، فقال مخاطبا للسحرة بحضرة الناس : " آمنتم
له قبل أن آذن لكم " أي هلا شاورتموني فيما صنعتم من الامر الفظيع
بحضرة رعيتي ؟ ! ثم تهدد وتوعد وأبرق وأرعد ، وكذب فأبعد قائلا :
" إنه لكبيركم الذي علمكم السحر " ، وقال في الآية الأخرى : " إن هذا
لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون " .
وهذا الذي قاله من البهتان [ الذي ( 1 ) ] يعلم كل فرد عاقل ( 2 ) ما فيه
من الكفر والكذب والهذيان ، بل لا يروج مثله على الصبيان ، فإن
الناس كلهم من أهل دولته وغيرهم يعلمون أن موسى لم يره هؤلاء يوما
من الدهر ، فكيف يكون كبيرهم الذي علمهم السحر ؟ ثم هو لم يجمعهم
ولا علم باجتماعهم ، حتى كان فرعون هو الذي استدعاهم ، واجتباهم من
كل فج عميق ، وواد سحيق ، ومن حواضر بلاد مصر والأطراف ، ومن
المدن والأرياف .
* * *
قال الله تعالى في سورة الأعراف : " ثم بعثنا من بعدهم موسى
بآياتنا إلى فرعون وملئه ، فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين *
وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين * حقيق على أن لا أقول
على الله إلا الحق ، قد جئتكم ببينة من ربكم ، فأرسل معي بني إسرائيل *
هامش
( 1 ) من ا ( 2 ) ا : كل عاقل