يذكره تعالى بنعمته عليه وإحسانه إليه في خلقه إياه من غير أب ،
بل من أم بلا ذكر ، وجعله له آية للناس ودلالة على كمال قدرته تعالى
ثم إرساله بعد هذا كله " وعلى والدتك " في اصطفائها واختيارها لهذه
النعمة العظيمة ؟ ؟ وإقامة البرهان على براءتها مما نسبها إليه الجاهلون ولهذا
قال " إذ أيدتك بروح القدس " وهو جبريل بإلقاء روحه إلى أمه
وقرنه معه في حال رسالته ومدافعته عنه لمن كفر به " تكلم الناس في
المهد وكهلا " أي تدعو الناس إلى الله في حال صغرك في مهدك
وفي كهولتك " وإذ علمتك الكتاب والحكمة " أي الخط والفهم . نص
عليه بعض السلف " والتوراة والإنجيل " وقوله : " وإذ تخلق من الطين
كهيئة الطير بإذني " أي تصوره وتشكله من الطين على هيئة الطير
عن أمر الله له بذلك " فتنفخ فيها تكون طيرا بإذني " أي بأمري
يؤكد تعالى بذكر الاذن له في ذلك لرفع التوهم .
وقوله " وتبرئ الأكمه " قال بعض السلف وهو الذي يولد أعمى
ولا سبيل لاحد من الحكماء إلى مداواته " والأبرص " هو الذي لا طب
فيه بل قد مرض بالبرص وصار داؤه عضالا " وإذ تخرج الموتى "
أي من قبورهم أحياء بإذني . وقد تقدم ما فيه دلالة على وقوع ذلك مرارا
متعددة بما فيه كفاية .
وقوله " وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال
الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين " وذلك حين أرادوا صلبه
فرفعه الله إليه وأنقذه من بين أظهرهم صيانة لجنابه الكريم عن الأذى
وسلامة له من الردى .
قصص الأنبياء — صفحة 428
مساهمون: ابن كثير
ص٤٢٨