أنت ابتداء من تلقاء نفسك . فعند ذلك كره موسى الحياة وأحب الموت .
ففي هذا نظر ، لان موسى عليه السلام لم يزل الامر والوحي والتشريع
والكلام من الله إليه من جميع أحواله ، حتى توفاه الله عز وجل . ولم
يزل معززا مكرما مدللا وجيها عند الله ، كما قدمنا في الصحيح من قصة فقئه
عين ملك الموت ، ثم بعثه الله إليه إن كان يريد الحياة فليضع يده على
جلد ثور فله بكل شعرة وارت يده سنة يعيشها ، قال ثم ماذا ؟ قال
الموت ، قال فالآن يا رب . وسأل الله أن يدنيه إلى بيت المقدس رمية بحجر ،
وقد أجيب إلى ذلك صلوات الله وسلامه عليه .
فهذا الذي ذكره محمد بن إسحاق إن كان إنما يقوله من كتب أهل
الكتاب ، ففي كتابهم الذي يسمونه التوراة : أن الوحي لم يزل ينزل على
موسى في كل حين ( 1 ) يحتاجون إليه إلى آخر مدة موسى ، كما هو المعلوم
من سياق كتابهم عند تابوت الشهادة في قبة الزمان .
ولقد ذكروا في السفر الثالث : أن الله أمر موسى وهارون أن يعدا
بني إسرائيل على أسباطهم ، وأن يجعلا على كل سبط من الاثني عشر
أميرا وهو النقيب ، وما ذاك إلا ليتأهبوا للقتال ، قتال الجبارين عند
الخروج من التيه ، وكان هذا عند اقتراب انقضاء الأربعين سنة . ولهذا
قال بعضهم : إنما فقأ موسى عليه السلام عين ملك الموت ، لأنه لم يعرفه
في صورته تلك ، ولأنه كان قد أمر بأمر كان يرتجى وقوعه في زمانه ،
ولم يكن في قدر الله أن يقع ذلك في زمانه ، بل في زمان [ فتاه ( 2 ) ]
يوشع بن نون عليه السلام .
هامش
( 1 ) : في كل أمر . ( 2 ) ليست في ا .