وقد أورد أصحاب القول الثاني سؤالا يحتاج مثله إلى جواب ، فقالوا :
لا شك أن الله سبحانه وتعالى طرد إبليس حين امتنع من السجود عن الحضرة
الإلهية ، وأمره بالخروج عنها والهبوط منها وهذا الامر ليس من الأوامر الشرعية
بحيث يمكن مخالفته ، وإنما هو أمر قدري لا يخالف ولا يمانع ، ولهذا قال :
" اخرج منها مذءوما مدحورا " . وقال : " اهبط منها فما يكون لك أن
تتكبر فيها " وقال : " اخرج منها فإنك رجيم " والضمير عائد إلى الجنة أو
السماء أو المنزلة . وأياما كان فمعلوم أنه ليس له الكون قدرا في المكان الذي
طرد عنه وأبعد منه ، لا على سبيل الاستقرار ولا على سبيل المرور والاجتياز .
قالوا : ومعلوم من ظاهر سياقات القرآن أنه وسوس لآدم وخاطبه بقوله له :
" هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى " وبقوله : " ما نهى كما ربكما عن
هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين . وقاسمهما إني
لكما لمن الناصحين . فدلاهما بغرور . . " الآية
وهذا ظاهر في اجتماعه معهما في جنتهما .
وقد أجيبوا عن هذا بأنه لا يمتنع أن يجتمع بهما في الجنة على سبيل المرور
فيها لا على سبيل الاستقرار بها ، وأنه وسوس لهما وهو على باب الجنة أو من
تحت السماء .
وفى الثلاثة نظر ، والله أعلم .
ومما احتج به أصحاب هذه المقالة : ما رواه عبد الله بن الإمام أحمد في الزيادات
عن هدبة بن خالد ، عن حماد بن سلمة ، عن حميد ، عن الحسن البصري ، عن
يحيى بن ضمرة السعدي ، عن أبي بن كعب ، قال : إن آدم لما احتضر اشتهى
" م 2 - قصص الأنبياء 1 "
قصص الأنبياء — صفحة 17
مساهمون: ابن كثير
ص١٧